جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

100 مليون يورو لصناعة الوهم ضد المغرب… والشعب الجزائري يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة

بقلم المصطفى بلقطيبية

0 32

منذ عقود، ظل النظام الجزائري يعتمد على سياسة الهروب إلى الأمام كلما واجه أزمة داخلية خانقة. واليوم، في ظل واقع اجتماعي مأزوم يتسم بالفقر والبطالة وانهيار الثقة بين المواطن والدولة، اختار الجنرالات أن يستثمروا عشرات الملايين من اليورو في البروباغندا الرقمية، بدل أن يوجهوا هذه الموارد إلى تحسين معيشة الجزائريين. هذا الخيار ليس جديداً، بل هو امتداد لنهج قديم يقوم على تصدير الأزمات الداخلية عبر افتعال صراعات خارجية، خصوصاً مع المغرب.
ما تكشفه التقارير الدولية عن تخصيص أكثر من 100 مليون يورو خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 لتجنيد آلاف الحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، يضعنا أمام نموذج كلاسيكي لحرب الجيل الخامس: حرب المعلومات. هذه الحرب لا تعتمد على المدافع والدبابات، بل على صناعة الوهم، قلب الحقائق، وتغذية الانقسامات داخل المجتمعات المستهدفة. في الحالة المغربية، يسعى النظام الجزائري إلى زرع الفتنة بين المواطنين عبر حسابات مزيفة تحمل أسماء مغربية، هدفها التشكيك في الإنجازات الوطنية، إثارة الصراعات بين المشجعين، وتشويه صورة البلاد في الخارج.
لكن لماذا يلجأ النظام الجزائري إلى هذه الأساليب؟ الجواب يكمن في الداخل. الجزائر تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة: طوابير طويلة للحصول على المواد الأساسية، بطالة متفشية بين الشباب، تراجع القدرة الشرائية، وانسداد سياسي يكرس هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار الوطني. في مثل هذا السياق، يصبح من الضروري بالنسبة للنظام أن يخلق “عدواً خارجياً” يحول الأنظار عن هذه الأزمات، ويعيد إنتاج خطاب “المؤامرة” الذي يبرر القمع الداخلي ويصنع شرعية زائفة.
التاريخ يقدم لنا أمثلة مشابهة. الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة لجأ إلى البروباغندا الخارجية لتغطية الانهيار الاقتصادي الداخلي، لكن ذلك لم يمنع سقوطه. كذلك فعلت بعض الأنظمة في أمريكا اللاتينية التي استثمرت في الإعلام الموجه ضد خصوم خارجيين، بينما كانت شعوبها تغرق في الأزمات. النتيجة دائماً واحدة: البروباغندا قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تمنع وقوعه.
في الحالة الجزائرية، يتضح أن النظام يكرر نفس الأخطاء. فبدل أن يستثمر في التعليم، الصحة، والبنية التحتية، يبدد الأموال في إنشاء مواقع إلكترونية وهمية وتغذية “ذباب إلكتروني” لا يغير شيئاً من الواقع الملموس. بل إن هذه السياسة قد ترتد عليه، إذ أن كشف هذه الحملات الدعائية أمام الرأي العام الدولي يضع الجزائر في موقع المتهم، ويؤكد صورة دولة تستعمل أساليب غير أخلاقية لتلميع نفسها وتشويه الآخرين.
أما المغرب، فهو أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة هذه الحملات المغرضة، وفي الوقت نفسه الاستمرار في مساره التنموي والدبلوماسي بثقة. الرد لا يكون عبر الانجرار إلى نفس الأساليب، بل عبر تعزيز الوحدة الداخلية، فضح هذه الممارسات أمام المؤسسات الدولية، والاستثمار في الإعلام المهني الذي ينقل الحقائق ويكشف التزييف. فالمعركة الحقيقية ليست على منصات التواصل الاجتماعي، بل على أرض الواقع حيث المشاريع الكبرى، الإنجازات التنموية، والدبلوماسية الفاعلة هي التي تصنع الصورة الحقيقية للبلاد.
إن البروباغندا الجزائرية ليست سوى انعكاس لأزمة داخلية عميقة، ومحاولة يائسة لتأجيل مواجهة الحقيقة. لكن الشعوب لا تُخدع إلى ما لا نهاية، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تبني شرعيتها على الوهم تنهار عاجلاً أم آجلاً. المغرب، بثباته ووحدته، قادر على تحويل هذه الحرب القذرة إلى فرصة لتأكيد قوته، وتعزيز صورته كدولة صاعدة في المنطقة، بينما يظل النظام الجزائري أسير سياسات قديمة لم تعد تقنع أحداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!