جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

قراءة في قصة ” باب الحارة “… ذاكرة الشام ونداء فلسطين المشاركة في مسابقة أصداء مغربية

0 97
تتشرف جريدة أصداء مغربية بعرض نص قصصي جديد وصل إلى هيئة التحرير بعنوان “باب الحارة”، من توقيع الكاتب الشاب أيوب أملال. تأتي هذه المشاركة لتغني رصيد المسابقة، حيث يختار الكاتب أن يفتح نافذة على الذاكرة الجماعية الفلسطينية من خلال قصة الطفل جهاد الذي نشأ بمدينة يافا خلال سنوات الثورة الفلسطينية سنة 1986.
القصة ليست مجرد سرد لأحداث يومية في الحارة، بل هي شهادة أدبية على روح التضامن التي جمعت سكان الحي في مواجهة المحن: من إطفاء الحريق، إلى دفن الجد، وصولاً إلى السعي الجماعي لاسترجاع الأرض والكرامة. بهذا، تتحول الحارة إلى رمز للتلاحم الشعبي، وتجسيد حيّ لمعاني التضحية والتعايش والحب.
اختيار الكاتب لهذا الموضوع يعكس وعياً عميقاً بأن الحديث عن التضامن لا يكتمل دون استحضار القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية إنسانية كبرى تتجاوز الحدود، وتلهم الأجيال في البحث عن الحرية والعدالة.
إن هيئة تحرير أصداء مغربية إذ تنشر هذه المشاركة، تؤكد حرصها على تقديم مادة أدبية رصينة، تضع القارئ أمام نصوص شبابية واعدة، وتفتح المجال أمام الإبداع المغربي والعربي ليعبّر عن قضايا الأمة وهمومها المشتركة.
أيوب أملال، تلميذ في مستوى الثانية بكالوريا شعبة العلوم الشرعية، يسعى إلى تطوير مهاراته العلمية والشخصية واكتساب خبرات جديدة تخدم مساره الدراسي والمهني. يتميز بحب التعلم وتنمية الذات، ويولي اهتماماً خاصاً بالقراءة والكتابة لما لهما من دور في صقل مهاراته التعبيرية والتحليلية. كما يمتلك قدرة على التواصل والعمل ضمن فريق وتنظيم الوقت، إضافة إلى إلمامه باستعمال الحاسوب (Word وPowerPoint).
يتقن اللغة العربية، وله مستوى متوسط في الفرنسية والإنجليزية، بينما تغذي هواياته في القراءة والكتابة والرسم خياله وتمنحه أدوات للتعبير عن ذاته وقضايا مجتمعه. مشاركته في هذه المسابقة تعكس طموحه في أن يكون الأدب وسيلة للتعبير عن القيم الإنسانية الكبرى، وأن يساهم عبر الكلمة الصادقة والإبداع الواعي في بناء مستقبل أفضل.
إليكم القصة :
باب الحارة
أتذكر الأيام الخوالي كيف كنا نعيش؟ لا أعلم هل ما أتذكره هو الماضي أو المستقبل؟ أهو أسلوب الحياة أو المسلوب منا؟ اليوم توضح لي كل شيء، العمران الذي كان يدفعني إليه، ما الذي جلبهم من شر للعالم؟ أبراج تشق عنان السماء أنستنا جذور المتشبثة في الأرض من تحت أقدامنا، ثم حاول اقتلاعها. كيف؟ كيف انتهى بنا المطاف هنا؟ تاريخي مستقبلكم، ولن ينزعو الأرض قبل أن ينزعو جلدي.
وُعِدَ ملايينُ من اليهود سنةَ 1910، عن طريق وعد بلفور، بتأسيس وطن قومي لليهود. لم يكن يهم المكان، سواء الأرجنتين أو غانا أو فلسطين، لكن وقع الاختيار على فلسطين حسب النبوءات، الأرض الموعودة حسب النص التوراتي.
إلى يومنا هذا يزداد الملبّون دعوة أرض الميعاد، خصوصًا بعد زيادة عمليات الإعدام والاضطهاد لليهود في ألمانيا. وعد بلفور أصل كل الشرور، ويحاولون إقناعنا أنهم مضطهدون.
اسمع يا ابني، فلسطين أرضنا، ونسقيها بدمنا، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.
أمينة: تعال يا جهاد، ساعدني في حمل هذه الأكياس.
جهاد: حاضر. وداعًا يا أبي.
وصلتُ أنا وأمي إلى تل ربيع، وراءنا البحر كمرآة زرقاء بصمته المخيف، وأمامنا حقول البرتقال تفوح منها رائحة كرائحة الشمس، عبيرها ينسينا حرها. كسر الصمت صوت الحفر وضحكات الأطفال، فتبين أن الصوت يأتي من حقول البرتقال التي كانت حقولنا قبل مستوطنات.
جهاد: لماذا هم هنا يا أمي؟
أمينة: لأنهم طُردوا من بلادهم.
جهاد: وماذا فعلوا؟
أمينة: الله أعلم.
غفوت على صوت الموج، قبل أن أستفيق على صراخ من الخارج. اندلع حريق في بساتين البرتقال، أعمدة النار والدخان تتصاعد، وسكان الحارة يد واحدة يحاولون إطفاءه. صعدت فوق التل وأنا أراقب بصمت مطبق المستوطنين وهم يبنون مستعمراتهم فوق حطام بيوتنا ورماد بساتيننا ومصدر قوت يومنا. تابعت نظرات اليأس على وجوه عائلتي وهم يلتقطون ما تبقى من المحاصيل، لكنني كنت أرى فيها كرامتنا التي مُسحت بالأرض.
في الليل توجه سكان يافا إلى المستوطنات يحملون النار في أيديهم، في محاولة يائسة لاسترجاع حقهم المهضوم. سمعت ليلًا، وأنا في سريري، طلقات نار متتالية، لكن سرعان ما عدت إلى النوم ظنًا مني أنني كنت أحلم.
في الصباح تأكدت أن ما سمعته لم يكن حلمًا، صوت البكاء يكسر صمت البيت. جدي، أبو صالح، أُصيب برصاص الاحتلال، فحُمِل في ثوب أبيض على النعش إلى مثواه الأخير. خرج جدي من بيتنا محمولًا على الأكتاف نحو أول الحي، حيث تجمهر الناس أمام الباب. كان المشهد مهيبًا، منهم من يبكي بحرقة، ومنهم من يكبر ويحمد الله لأنه مات شهيدًا. اجتمعنا جميعًا حول القبر الفارغ ننتظر لحظة الوداع الأخيرة.
وقفت أراقب الرجال وهم يحفرون القبر بتضامن صامت، كل واحد يساعد الآخر دون كلام، وكأن الحزن وحده هو اللغة التي تجمعهم. بعضهم كان يجلب الماء، وآخرون يواسون العائلة، بينما كانت عيون أهلي دامعة وقلوبهم متماسكة. كان هذا التضامن الصادق هو ما يخفف عنا الألم، هو أسلوب حياة نعيشه، تعاون وتكافل لا يحتاج إلى كلمات، حتى الحزن نفسه بدا وكأنه لغة مشتركة يفهمها الجميع.
وبينما بدأ الألم يهدأ قليلًا ونحن نبتعد عن المقبرة، سمعنا فجأة هدير سيارات يقترب ليكسر سكون المكان وروحانيته. توقفت السيارات بعنف، ونزل منها جنود مدججون. قال أحدهم ببرود: لن أطيل عليكم، نحن نبحث عن مخربين أزعجوا المستوطنين ليلة أمس ساد صمت ثقيل، لم يجب أحد. نظروا إلينا بتهديد، ثم صرخوا: إذا لم تتكلموا، ستتحملون النتائج لم يمض وقت طويل حتى اندفعوا نحو منازلنا. دخلوا بيتنا بعنف، حاولت أمي أن تمنعهم بكل ما أوتيت من قوة، لكنها دُفعت بعيدًا. حاولت أنا أيضًا أن أدافع، لكن أحدهم دفعني بقوة فسقطت أرضًا. أخي حاول أن يشرح لهم، أن يفهمهم، لكنهم لم يستمعوا.
كانوا باردين بلا رحمة، وكأنهم لا يرون فينا بشرًا. وقفنا مكتوفي الأيدي، عاجزين، نشاهد كل شيء يُكسر أمامنا، وأنا على الأرض دموعي تنهمر، لا من الألم فقط، بل من قصور حيلتنا .
لم يكتفوا بأخذ أخي لوحده، بل أخذوا جميع سكان الحارة. ربطوا أيدينا وأرجلنا وجرّونا إلى ساحة كبيرة. جلسنا مكتوفي الأيدي ، إضافة إلى مكتوفي الكرامة. لم يكتفوا بالقتل والإجرام وتكتيف حرياتنا، بل كتّفوا أيدينا فوق رؤوسنا. لم نعد نستطيع فعل أي شيء، هل هناك أفظع من هذا؟ أنا لا أعتقد ذلك.
صباحًا أطلقوا سراحنا وأعادونا إلى منازلنا مشيًا على الأقدام الحافيتين، لم يتركوا لنا الوقت حتى لنرتدي أحذيتنا أو ملابس خروجنا. بعد بزوغ شمس الصباح عدنا إلى منازلنا في الحارة، فوجدنا كل شيء مخربًا. بحثوا في كل المنازل، يبحثون عن أسلحة أو شيء ليدخلونا للسجن، لكنهم لم يجدوا شيئًا يديننا.
اجتمعنا جميعًا في باب الحارة، الكل ينتظر الكل أن يفعل شيئًا، لكن ما بيدنا حيلة. حتى ارتفع صوت شاب من بيننا: ما لنا مكتوفي الأيدي؟ أصواتنا هي قوتنا، هي من تعطينا شرفنا وكرامتنا. إلى متى سنبقى هكذا؟ إلى متى سنبقى مكتوفي الأيدي
والأرجل ومكممي الأفواه؟ الحرية هي المقصد، والتضامن هو السلاح الذي سيعيد لنا عزنا وكرامتنا على أرضنا.
صمتوا جميعًا، ساد الجو صمت مهين كل شخص يريد أن يقول الكثير، لكنه لم يجرؤ ولم يجد القوة ليتكلم. الكل يتساءل: ماذا سنفعل؟ كيف سنجد الحرية؟ وكيف سنضع يدًا في يد لنكون أقوى و متضامنين؟ أسئلة لن ينكر أحد أنها جالت وسالت في أذهاننا جميعًا، لكن الأجوبة هنا عند نفس الشاب. التظاهر هو الطريقة الوحيدة التي ستترجم تضامننا وتوحد قوة صوتنا جميعًا ، يد واحدة لا تصفق، لكن أيدينا جميعًا سترفعنا وتعيد لنا عزتنا وكرامتنا، وتظهر تضامننا للعالم لنقول: هذه أرضنا، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.
ارتفعت الأصوات هنا، جميع الناس: فلسطين ليست للبيع، وعد بلفور إلى الجحيم. في الوقت الذي اجتمع فيه جميع سكان الحارة لمناقشة موضوع الاحتجاج، جلست أنا وصديقي ميخائيل على سطح حجرة كبيرة في رأس الجبل المقابل لبساتين البرتقال.
جهاد: ميخائيل، ماذا يمكن أن نفعل لنساعدهم؟
ميخائيل: يمكننا أن نساعدهم بالدعاء.
جهاد: لكنك لست مسلمًا، كيف تدعو؟
ميخائيل: ونحن المسيحيون ندعو أيضًا.
جهاد: هل تدعون في المساجد؟
ميخائيل: لا، نحن ندعو في الكنيسة.
جهاد: أي كنيسة؟
ميخائيل: كنيسة القديس بطرس في سفح الجبل، أتريد أن ترافقني؟
جهاد: نعم، يمكنني أن أرافقك إلى باب الكنيسة.
داخل الكنيسة:
جهاد: هذه الرسومات مدهشة.
ميخائيل: هذه من فنون الكنيسة القديمة.
القس (يتلو دعاء): يا رب، تقبّل خطيئة عبدك واغفرها من عندك، سواء فعلتها عن قصد أو عن غير قصد، جهرية أو سرية.
اغفر لي لأنك محب للمجد والسماح، يا رب اغفر لي لأنك محب للمجد والسماح، آمين.
القس: يا ميخائيل، لماذا تأخرت؟ ومن هذا الصبي الذي معك؟
ميخائيل: هذا جهاد، من سكان الحارة، جاء ليرى كيف أدعو لله لكي ينصرنا على الظلم.
القس: أهلًا يا جهاد، كيف حالك؟
جهاد: أنا بخير، وأنت؟
القس: ما دام أهل الحارة بخير فأنا بخير.
جهاد: قس، أنت مع من؟ مع اليهود أم مع المسلمين؟
القس: أنا ضدهم جميعًا ومعهم جميعًا، أنا مع السلام، أنا مع الله، لأن الله هو السلام. الحرب ليست بين اليهود والمسلمين، ولا بين المسيحيين والمسلمين، ولا بين المسيحيين واليهود، الحرب بين الله الذي يحب السلام، والشيطان الذي ينشر الشر والحرب .
خرجنا أنا وميخائيل من الكنيسة، وتردد على سمعنا أصوات صراخ. ذهبنا نهرول في أزقة البلدة القديمة حتى سمعنا:
التضامن طريقنا، فلسطين هدفنا.
التضامن طريقنا، فلسطين هدفنا.
رأينا مشهدًا مهيبًا، الكل خارج في الشوارع يحتج ويقول:
التضامن طريقنا، فلسطين هدفنا.
عندما كان البحر أزرق والنجوم لا زالت في مكانها والعصافير تغرد من فوق الأشجار عندما كنا نعتقد أن السعادة تجمل في كلمة واحدة عندما كنا لا نقرأ ما بين السطور كانت الحياة أجمل، كنا نتضامن، نتعايش ونحب. عندما ذهب هذا، ذهب كل شيء.

…….

وبهذا تؤكد أصداء مغربية حرصها على دعم المواهب الشابة وإبراز أصوات جديدة قادرة على إثراء المشهد الأدبي المغربي والعربي، وإعطاء الكلمة لجيل جديد يكتب قصصه بوعي ومسؤولية. نتمنى للشاب أيوب أملال التوفيق في مساره الأدبي والدراسي، وأن تكون مشاركته خطوة أولى نحو مستقبل واعد.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!