في إطار رسالتها الإعلامية الرصينة، أطلقت جريدة أصداء مغربية سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “أحزاب تحت المجهر”. هذه السلسلة تسعى إلى قراءة معمّقة في مسارات الأحزاب المغربية، عبر استحضار الذاكرة الحزبية لكل تنظيم، متتبعة ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل المواطن: ماذا قدّم هذا الحزب خلال تقلّد المسؤولية الحكومية؟ إنها محاولة مهنية من أصداء مغربية لتقديم مادة إعلامية متوازنة، تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية. نؤكد في هذه السلسلة على التزامنا بالموضوعية والحياد الكامل واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد، ليقفوا على مكامن القوة والضعف، وليتعرفوا عن قرب على إشكالات التسيير ومواطن الخلل في التجربة الحزبية المغربية.
الحلقة السادسة : حزب الاتحاد الدستوري
تأسس حزب الاتحاد الدستوري سنة 1983 على يد المعطي بوعبيد، أحد أبرز رجال الدولة والقانون في المغرب، الذي شغل منصب الوزير الأول بين 1979 و1983. جاء تأسيس الحزب في سياق البحث عن توازن سياسي جديد، حيث أراد بوعبيد أن يقدم تنظيماً يجمع بين الوسطية والبراغماتية، بعيداً عن الاستقطاب الحاد بين الأحزاب الوطنية التقليدية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) وبين الأحزاب الإدارية الناشئة. منذ البداية، حمل الحزب شعار “الواقعية السياسية”، وركز على دعم الاستقرار المؤسساتي، مع حضور قوي في البرلمان والحكومة خلال الثمانينيات والتسعينيات. منذ تأسيس حزب الاتحاد الدستوري سنة 1983 على يد المعطي بوعبيد، ارتبط الحزب باسمه كزعيم تاريخي أول، إذ جمع بين القانون والسياسة، وأعطى للحزب هويته الوسطية والبراغماتية. بعد وفاته سنة 1996، تولى القيادة لفترة انتقالية عبد اللطيف السملالي، الذي حاول الحفاظ على توازن الحزب لكنه لم يتمكن من استعادة نفس الزخم الجماهيري. في مرحلة ما بعد التسعينيات، برزت أسماء تنظيمية مثل محمد جلال السعيدي وآخرين، حيث ساهموا في تسيير الحزب لكن حضورهم ظل محدوداً في المشهد السياسي. ومع بداية الألفية الثالثة، تولى القيادة محمد ساجد (2015 – 2022)، الذي قاد الحزب في مرحلة حديثة وشارك في الحكومة كوزير للسياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، محاولاً إعادة الحزب إلى واجهة المشهد السياسي. وفي سنة 2022، انتخب المؤتمر الوطني السادس محمد جودار أميناً عاماً للحزب، ليقود جيلاً جديداً من النخب، بخطاب إصلاحي يركز على إعادة هيكلة الحزب وتجديد نخبه، مع محاولة استعادة مكانته في الحياة السياسية المغربية.. المرأة الدستورية منذ تأسيسه، لم يكن حضور المرأة في الاتحاد الدستوري بارزاً، لكنه عرف تطوراً تدريجياً مع بداية الألفية الثالثة، حيث بدأت بعض القيادات النسائية في شغل مواقع تنظيمية وبرلمانية. رغم ذلك، ما زال الحزب مطالباً بتعزيز مشاركة النساء والشباب في هياكله، ليواكب التحولات الاجتماعية والسياسية في المغرب. الحزب والبرلمان الاتحاد الدستوري كان في الثمانينيات والتسعينيات قوة برلمانية وازنة، حيث شارك في عدة حكومات، وقدم وزراء في قطاعات حيوية. لكن مع بداية الألفية الثالثة، تراجع حضوره بشكل ملحوظ، ولم يعد يملك نفس الوزن الانتخابي. اليوم، يسعى الحزب بقيادة محمد جودار إلى إعادة بناء قاعدة جماهيرية، عبر التركيز على خطاب إصلاحي قريب من الشباب والطبقات الوسطى. علاقة الحزب بالقصر منذ تأسيسه، ظل الاتحاد الدستوري في علاقة توافق مع المؤسسة الملكية، حيث لعب دوراً في دعم الاستقرار السياسي والمؤسساتي. هذه العلاقة جعلته جزءاً من التوازنات الكبرى في الحياة السياسية المغربية، لكنه في الوقت نفسه حدّت من قدرته على لعب دور معارض قوي. الحزب أقرب إلى حزب وسطي يراهن على التوافق أكثر من المواجهة. برامجه المستقبلية يركز الحزب اليوم على إعادة هيكلة تنظيماته الداخلية، وتجديد النخب، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء. كما يسعى إلى تقديم مقترحات إصلاحية في مجالات التعليم، التشغيل، والاقتصاد الرقمي، ليواكب التحولات التي يعرفها المغرب. خطاب محمد جودار يؤكد أن الحزب يريد أن يكون قوة وسطية جديدة، قادرة على الموازنة بين الواقعية السياسية ومتطلبات الإصلاح. محمد جودار محمد جودار، الأمين العام الحالي لحزب الاتحاد الدستوري، انتخب سنة 2022 خلفاً لمحمد ساجد. يُعرف بخطابه الإصلاحي الذي يركز على إعادة هيكلة الحزب وتجديد نخبه، مع محاولة استعادة مكانته في المشهد السياسي المغربي. ينتمي جودار إلى جيل جديد من القيادات، ويُعتبر من الأصوات التي تراهن على الشباب والطبقات الوسطى كقاعدة مستقبلية للحزب. رغم أن الاتحاد الدستوري تحت قيادته لا يملك نفس الوزن البرلماني الذي كان له في الثمانينيات، فإن جودار يسعى إلى إعادة الحزب إلى الواجهة عبر خطاب إصلاحي واقعي، يوازن بين الوفاء لتاريخ المعطي بوعبيد والطموح نحو المستقبل.