الأستاذ نجيم عبد الإله السباعي يمثل بحق نموذج “القيدوم” في الصحافة المغربية، ليس فقط بحكم سنوات التجربة الممتدة منذ السبعينات، ولكن أيضاً بما راكمه من مبادرات رائدة داخل المغرب وخارجه. مساره يكشف عن صحفي موسوعي، جمع بين الكتابة والتحرير، وبين التأسيس والتنظيم، وبين الانفتاح على الإعلام العربي والدولي وبين خدمة قضايا الجالية المغربية في المهجر. منذ السبعينات، بدأ السباعي مساره ككاتب في الصحف المغربية والعربية، قبل أن ينتقل إلى ليبيا في الثمانينات حيث عمل بمؤتمر الشعب العربي والمجلس القومي للثقافة العربية، وأدار مجلة الوحدة. هناك أسس مع المرحوم فؤاد اليوسفي جريدة المغرب العربي، وكان رئيس تحريرها، كما تعاون مع صحف ليبية بارزة. هذه التجربة رسخت مكانته كصحفي عربي منفتح على قضايا الأمة، ومؤمن بدور الإعلام في بناء الوعي الجماعي.
الأستاذ نجيم عبد الإله السباعي لم يكن مجرد صحفي مخضرم، بل واحداً من رواد العمل الإعلامي المستقل في المغرب والعالم العربي. فقد أسس مع الإعلاميين المصطفى بلقطيبية، وعبد الرحيم الفقير الإدريسي، والمرحوم عبد الحميد الحيمر، أول جمعية مستقلة للصحافة تحت اسم الجمعية المغربية للصحافة المستقلة، في وقت كان فيه الإعلام يعيش مرحلة حساسة تتطلب جرأة في التنظيم والدفاع عن حرية الكلمة.
هذا التأسيس لم يكن حدثاً عادياً، بل شكل منعطفاً في تاريخ الصحافة المغربية، حيث أتاح إطاراً يجمع الصحفيين المستقلين، ويمنحهم صوتاً جماعياً في مواجهة التحديات القانونية والسياسية. نجيم ، بخبرته الممتدة منذ السبعينات، جسّد فكرة أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مشروع وطني يقوم على الدفاع عن الحقيقة، وعن استقلالية الإعلام بعيداً عن الوصاية أو التوجيه الرسمي. من خلال هذه المبادرة، ساهم السباعي وزملاؤه في ترسيخ ثقافة التنظيم المهني، وفتح الباب أمام أجيال جديدة من الصحفيين لتبني فكرة أن الإعلام المستقل هو ركيزة أساسية في بناء مجتمع ديمقراطي. كما أن هذه التجربة أظهرت أن الصحفي يمكن أن يكون فاعلاً مدنياً، لا يكتفي بالكتابة، بل يشارك في تأسيس مؤسسات تدافع عن المهنة وتطورها. تجربته في السعودية وليبيا و إيطاليا وأمريكا أضافت بعداً آخر لمساره، إذ حمل معه هموم الجالية المغربية، ونشر جرائد ومجلات تخاطب المغاربة في المهجر، وتوثق حياتهم، وتربطهم بالوطن. هذه القدرة على الجمع بين المحلي والجهوي والدولي جعلت منه صحفياً متعدد الأبعاد، لا يكتفي بالكتابة بل يسعى إلى بناء مؤسسات إعلامية. عند عودته إلى المغرب ، أطلق أول جريدة جهوية بجهة الشاوية ورديغة، النهضة الشاوية، التي تحولت لاحقاً إلى النهضة الدولية. ونجح في جعل الإعلام الجهوي صوتاً مسموعاً على الصعيد الوطني. خلال التسعينات، انتقل إلى إيطاليا حيث واصل نشر النهضة الدولية في أوساط الجالية المغربية والجمعيات، ثم إلى الولايات المتحدة حيث أصدر جرائد في بوسطن، ونشر تحقيقات وروبورتاجات عن الجالية المغربية هناك. ومع دخول مرحلة الإعلام الرقمي، ظل السباعي في الصفوف الأمامية للدفاع عن الصحفيين الشباب، حيث أسس رفقة الزميل المصطفى بلقطيبية المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية ومع الأستاذ عبد الوافي الحراق أسس التنسيقية المغربية للصحافة والإعلام الرقمي، ثم ساهم في تأسيس الكونفدرالية المغربية لناشري الصحف والإعلام الرقمي، التي لعبت دوراً محورياً في الحوار مع وزراء الاتصال، وشغل فيها مهمة الكاتب العام . ليؤكد أن الصحافة بالنسبة له ليست فقط مهنة، بل أداة للدفاع عن صورة المغرب في الخارج، وعن مكانته في الساحة الدولية. إن مسار نجيم عبد الإله السباعي هو شهادة على أن الصحافة المغربية أنجبت قامات لم تكتف بالكتابة، بل ساهمت في بناء المشهد الإعلامي، وفي الدفاع عن حرية الكلمة، وفي ربط الإعلام بقضايا المجتمع. إنه بحق قيدوم الصحفيين المغاربة، ورمز من رموز المهنة التي جمعت بين التجربة الوطنية والانفتاح الدولي، وبين الريادة المؤسسية والالتزام الأخلاقي. إن تكريم الأستاذ نجيم عبد الإله السباعي هو تكريم لجيل كامل من الصحفيين الذين حملوا مشعل الكلمة الحرة في ظروف صعبة، وصنعوا من الصحافة المغربية مدرسة قائمة بذاتها. هو اعتراف بمسار طويل من العطاء، لرجل ظل وفياً لقيم المهنة، مدافعاً عن استقلاليتها، ومؤمناً بأن الإعلام رسالة ومسؤولية. اسمه سيظل محفوراً في ذاكرة الصحافة المغربية كأحد روادها وقيدوميها، وكشاهد على أن الكلمة الحرة قادرة على صنع التاريخ.