جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

العد العكسي لبداية الحرب العالمية الثالثة

0 2٬176

الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية آنية، بل هي انفجار لتراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية. منذ سنوات، ظل الملف النووي الإيراني محورًا للجدل الدولي، حيث ترى واشنطن وتل أبيب أن امتلاك إيران للسلاح النووي يهدد ميزان القوى في الشرق الأوسط، بينما تعتبر طهران أن من حقها تطوير قدراتها مثلما فعلت القوى الكبرى وإسرائيل نفسها. هذه المفارقة تكشف ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث يُسمح للبعض بالاحتفاظ بترسانات نووية ضخمة، ويُمنع آخرون من مجرد الاقتراب منها.
اندلاع الحرب جاء بعد فشل المفاوضات النووية وتصاعد المخاوف الغربية من اقتراب إيران من العتبة النووية. الولايات المتحدة أعلنت أن الهدف يتجاوز تعطيل البرنامج النووي إلى الضغط من أجل تغيير النظام في طهران، فيما رأت إسرائيل في هذه اللحظة فرصة تاريخية لتصفية حسابات عمرها عقود مع خصم تعتبره تهديدًا وجوديًا. ومع أولى الضربات الجوية، دخلت المنطقة في دوامة جديدة من الدماء والدمار.
لكن الحرب لم تبقَ محصورة بين هذه الأطراف الثلاثة. دول الخليج وجدت نفسها في قلب المعركة بعدما استهدفت إيران قواعد أمريكية على أراضيها. حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن دخلوا المواجهة بدعم مباشر من طهران، ما وسّع رقعة الصراع ليشمل أكثر من جبهة. إغلاق مضيق هرمز شكّل ضربة قاسية للاقتصاد العالمي، إذ ارتفعت أسعار النفط وتراجعت حركة التجارة الدولية.
النتائج الإنسانية والسياسية لهذه الحرب القاسية لا يمكن التنبؤ بها بسهولة. مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي – وفق تقارير إعلامية – فتح أزمة قيادة داخلية غير مسبوقة في إيران، بينما ترددت شائعات عن اغتيال بنيامين نتنياهو دون تأكيد رسمي. هذه التطورات تجعل المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الأزمة الداخلية مع المواجهة الخارجية.
إلى أين ستنتهي هذه الحرب؟ السيناريوهات متعددة: قد تفرض القوى الكبرى وقفًا لإطلاق النار عبر الأمم المتحدة، وقد تستمر المواجهة لتعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، أو قد تفتح الباب أمام سباق تسلح نووي جديد يهدد الأمن العالمي. ما هو مؤكد أن هذه الحرب ستظل علامة فارقة في رواية العالم، لأنها تكشف التناقض بين شعارات العدالة الدولية وواقع الهيمنة، وبين حلم السلام وكابوس القوة.
هناك مفارقة واضحة في موضوع السلاح النووي. الولايات المتحدة، إسرائيل، روسيا، والصين كلها دول تمتلك ترسانات نووية، بينما تُمنع إيران من امتلاكها، وهذا ما يجعل كثيرين يرون الأمر ازدواجية في المعايير أو “حِكرة”  كما يقول المغاربة.
لماذا يُعتبر الملف النووي الإيراني مختلفًا؟
معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT): إيران عضو في المعاهدة، وهي تسمح بالاستخدام السلمي للطاقة النووية لكنها تمنع تطوير أسلحة نووية. الدول الخمس الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا) مسموح لها امتلاك السلاح النووي لأنها كانت قوى نووية قبل توقيع المعاهدة.
إسرائيل خارج المعاهدة: إسرائيل لم توقّع على المعاهدة، لكنها تمتلك سلاحًا نوويًا غير معلن رسميًا، وهذا يخلق حالة استثنائية.
القلق الإقليمي: خصوم إيران يرون أن امتلاكها سلاحًا نوويًا سيغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط، ويزيد من نفوذها على حساب دول الخليج وإسرائيل.
الذاكرة التاريخية: الولايات المتحدة وحلفاؤها يخشون أن يؤدي امتلاك إيران للسلاح النووي إلى سباق تسلح جديد في المنطقة، وربما انهيار نظام الردع القائم.
لماذا يُنظر إليه كازدواجية؟
لأن القوى الكبرى نفسها تحتفظ بترسانات ضخمة، وتستخدمها كأداة ردع، بينما تمنع الآخرين من الوصول إليها.
لأن إسرائيل، رغم امتلاكها النووي، لا تواجه نفس الضغوط التي تواجهها إيران.
لأن الخطاب الغربي يربط النووي الإيراني دائمًا بالتهديد، بينما يتجاهل المخاطر المرتبطة بترسانات الدول الأخرى.
بالتالي، الحرب الحالية ليست فقط حول النووي، بل حول النفوذ والهيمنة: من يملك الحق في القوة، ومن يُمنع عنها. وهذا ما يجعلها حربًا قاسية، لأنها تكشف التناقض بين الشعارات الدولية (السلام، منع الانتشار) وبين الواقع السياسي (التحكم في ميزان القوى).
هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟
المشهد الراهن يوحي بأن العالم يقف على حافة هاوية جديدة. الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى مواجهة متعددة الأطراف تمتد من الخليج إلى لبنان واليمن، وتنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. دخول قوى إقليمية غير حكومية مثل حزب الله والحوثيين، وتداعيات الهجمات على قواعد أمريكية في دول الخليج، يجعل الصراع يتجاوز حدود الدول الثلاث. ومع ذلك، لم تصل الأمور بعد إلى مستوى حرب عالمية ثالثة بالمعنى التاريخي، إذ لم تنخرط القوى الكبرى مثل روسيا والصين بشكل مباشر في العمليات العسكرية. لكن استمرار التصعيد، وفشل الدبلوماسية في احتواء الأزمة، قد يفتح الباب أمام توسع النزاع ليشمل قوى عالمية أخرى. وهكذا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة، أم أمام حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية
من الرابح ومن الخاسر في هذه الحرب؟
الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لا تُقاس نتائجها فقط بالانتصارات العسكرية، بل بما تتركه من آثار سياسية واقتصادية وإنسانية. على المدى القصير، قد تبدو واشنطن وتل أبيب رابحتين بقدرة ضرباتهما على تعطيل المنشآت النووية الإيرانية وإضعاف البنية العسكرية لطهران. لكن في العمق، الخسائر تتوزع على الجميع: إيران تواجه أزمة قيادة داخلية بعد مقتل المرشد الأعلى، واقتصادها يتعرض لضربة قاسية مع إغلاق مضيق هرمز. إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تعيش تحت ضغط الصواريخ والتهديدات الإقليمية، فيما الولايات المتحدة تتحمل كلفة مالية وسياسية ضخمة، وتواجه انتقادات دولية حول ازدواجية المعايير النووية. أما الشعوب، فهي الخاسر الأكبر، إذ تدفع ثمن الحرب بالدماء والقلق والاضطراب الاقتصادي. في النهاية، لا يوجد رابح مطلق في هذه المواجهة، بل أطراف تحاول تسجيل نقاط في معركة ستظل مفتوحة على احتمالات السلام أو الانزلاق نحو حرب أوسع.

تحليل هيئة التحرير

تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!