يوم 15 أبريل 2026، ارتدى قصر الإليزيه حلّته البروتوكولية ليحتضن زيارة دولة رسمية للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وعقيلته مريم منت محمد فاضل ولد الداه، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون. كان الاستقبال مهيبًا، حيث اصطف الحرس الجمهوري على السجادة الحمراء، وتقدمت السيدة الأولى الفرنسية بثوب أحمر أنيق وحلي ذهبية لتستقبل الضيوف، في صورة أرادت فرنسا من خلالها أن تؤكد مكانة موريتانيا كحليف استراتيجي في منطقة الساحل. زيارة الغزواني إلى باريس هي أول زيارة دولة لرئيس موريتاني منذ ثلاثة عقود، واستمرت ثلاثة أيام، ما منحها وزنًا استثنائيًا في سجل العلاقات الثنائية. لم تقتصر على مظاهر الاحتفال، بل حملت رسائل سياسية واقتصادية وأمنية واضحة. ففي مأدبة العشاء الرسمية، أشاد الرئيس الفرنسي بدور موريتانيا في منطقة الساحل، معتبرًا أنها تقدم نموذجًا لمسار مستقل ومسؤول في مواجهة التحديات الإقليمية. وفي اليوم الثاني، التقى الرئيس الموريتاني برجال الأعمال الفرنسيين للترويج لفرص الاستثمار في بلاده، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، بينما خصص اليوم الثالث لزيارة مدينة بريست ولقاء مسؤولين عسكريين فرنسيين، في إطار التعاون الأمني والدفاعي، إضافة إلى أنشطة ثقافية وأكاديمية لتعزيز التعاون العلمي بين البلدين. هذا الحضور الدبلوماسي يكتسب وزنه من خلفية تاريخية طويلة؛ فمنذ الحقبة الاستعمارية حين كانت موريتانيا جزءًا من غرب إفريقيا الفرنسي، مرورًا باتفاقيات التعاون بعد الاستقلال عام 1960، وصولًا إلى الشراكات الإنمائية والاقتصادية في العقود الأخيرة. فرنسا ظلت المانح الأكبر لموريتانيا في الثمانينيات، ولا تزال حتى اليوم تعتبرها شريكًا أساسيًا في مواجهة الإرهاب والهجرة في الساحل. بهذا المعنى، فإن زيارة الغزواني إلى باريس جسدت تلاقي التاريخ مع الحاضر: من إرث العلاقات الاستعمارية إلى شراكة جديدة قائمة على المصالح المتبادلة، ومن رمزية الأزياء والاحتفالية إلى رسائل السياسة والأمن. إنها لحظة بروتوكولية مهيبة تؤكد أن موريتانيا، رغم حجمها المتوسط، باتت لاعبًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن فرنسا تسعى إلى تثبيت هذا التحالف في زمن التحولات الكبرى، لتظل باريس ونواكشوط على موعد مع تاريخ مشترك يتجدد في كل لقاء رسمي.