جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

تراكتور الأصالة والمعاصرة تحت المجهر.. من جمعية الزعماء إلى حزب البرلمان والمرأة البامية

0 132

في إطار رسالتها الإعلامية الرصينة، أطلقت جريدة أصداء مغربية سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “أحزاب تحت المجهر”. هذه السلسلة تسعى إلى قراءة معمّقة في مسارات الأحزاب المغربية، عبر استحضار  الذاكرة الحزبية لكل تنظيم، متتبعة ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل المواطن: ماذا قدّم هذا الحزب خلال تقلّد المسؤولية الحكومية؟
إنها محاولة مهنية من أصداء مغربية لتقديم مادة إعلامية متوازنة، تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية. نؤكد في هذه السلسلة على التزامنا بالموضوعية والحياد الكامل واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد، ليقفوا على مكامن القوة والضعف، وليتعرفوا عن قرب على إشكالات التسيير ومواطن الخلل في التجربة الحزبية المغربية.

الحلقة السابعة : حزب الأصالة والمعاصرة

حين نضع حزب الأصالة والمعاصرة تحت المجهر، فإننا نفتح صفحة من تاريخ سياسي حديث في المغرب، مليء بالتقلبات والرمزية. نشأ الحزب سنة 2008 بعد أن تحولت جمعية “حركة لكل الديمقراطيين”، التي كان يقودها فؤاد عالي الهمة، صديق الملك محمد السادس، إلى تنظيم سياسي عبر اندماج عدة أحزاب صغيرة. هذا التحول من جمعية مدنية إلى حزب سياسي كان بمثابة إعلان عن دخول قوة جديدة إلى الساحة، قوة تحمل مشروعًا حداثيًا وتستند إلى قربها من المؤسسة الملكية.
أسباب مغادرة فؤاد عالي الهمة للحزب سنة 2011 ارتبطت أساسًا برغبته في الابتعاد عن العمل الحزبي المباشر، بعد أن أصبح مستشارًا للملك. كثيرون رأوا أن انسحابه كان محاولة لتجنيب الحزب مزيدًا من الاتهامات بالارتباط المفرط بالقصر، وإعطائه فرصة لتطوير استقلاليته السياسية. لكن غياب المؤسس ترك فراغًا كبيرًا، جعل الحزب يعيش ارتباكًا في القيادة.
هذا الارتباك تجلى في تعاقب ثلاثة أمناء عامين على تسيير الحزب في فترة وجيزة: محمد الشيخ بيد الله، إلياس العماري، ثم حكيم بنشماش. كل واحد منهم حاول أن يطبع الحزب برؤيته الخاصة، لكن كثرة التغييرات أضعفت صورته أمام الرأي العام، وأظهرت أن الحزب لم يستقر بعد على قيادة موحدة. هذه التعددية في الزعامة كانت انعكاسًا لصراعات داخلية بين تيارات مختلفة، بعضها يريد الحفاظ على قرب الحزب من القصر، وبعضها الآخر يسعى إلى بناء استقلالية أكبر.
رغم هذه التحديات، ظل البام قوة برلمانية وازنة، حيث يشغل عشرات المقاعد في مجلس النواب والمستشارين، ويشارك في التحالفات الحكومية. علاقته بالقصر بقيت قائمة، وإن بشكل أقل مباشرة بعد مغادرة عالي الهمة، لكنه ما زال يُنظر إليه كحزب له امتيازات خاصة في المشهد السياسي.
المرأة البامية شكلت عنصرًا مميزًا في مسار الحزب، من خلال منظمة نساء البام، وصولًا إلى قيادة فاطمة الزهراء المنصوري للحزب سنة 2024، وهو ما أعطى صورة جديدة عن الحزب كقوة تفتح المجال أمام النساء لتولي مواقع القرار. هذا الحضور النسائي منح الحزب بعدًا إضافيًا في خطابه الإصلاحي والاجتماعي، وأكسبه شرعية جديدة في زمن تتعالى فيه الأصوات المطالبة بالمساواة والتمكين.
أما برنامجه المستقبلي، فيرتكز على تعزيز الديمقراطية الاجتماعية والحداثة، دعم المجتمع المدني كرافعة للتنمية، مواجهة التحديات الاقتصادية عبر تحسين القدرة الشرائية وتقليص العجز التجاري، والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب. الحزب يسعى إلى أن يكون منافسًا رئيسيًا على قيادة الحكومة، جامعًا بين الأصالة المغربية والانفتاح على قيم العصر، مستندًا إلى خلاصات تقارير استراتيجية مثل تقرير الخمسينية حول التنمية وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة حول حقوق الإنسان.
إن وضع البام تحت المجهر يكشف عن مسار متقلب: من انطلاقة قوية بفضل قربه من القصر، إلى انسحاب مؤسسه وارتباك القيادة، وصولًا إلى محاولة إعادة بناء صورته عبر الحضور النسائي وبرنامج إصلاحي مستقبلي. إنه حزب يعيش بين طموح الإصلاح وحدود الواقع السياسي المغربي، ويظل أحد أبرز اللاعبين في معادلة السلطة والمعارضة، حيث تتقاطع فيه أسئلة الزعامة، بصمة المرأة، وعلاقة السياسة بالمؤسسة الملكية، في زمن يحتاج المغرب فيه إلى أحزاب قوية قادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة حقًا، لا شعارًا.

اليوم، حين نضع حزب الأصالة والمعاصرة تحت المجهر، لا بد أن نتوقف عند من يتزعم هذه القوة السياسية المثيرة للجدل. منذ سنة 2024، تقود الحزب فاطمة الزهراء المنصوري، وهي شخصية بارزة في المشهد السياسي المغربي، وواحدة من أبرز الوجوه النسائية التي استطاعت أن تفرض حضورها في قيادة حزب كبير. المنصوري، التي راكمت تجربة مهمة كرئيسة للمجلس الوطني للحزب ووزيرة في الحكومة، جاءت إلى القيادة في لحظة دقيقة، بعد سنوات من الارتباك الداخلي وتعاقب ثلاثة أمناء عامين على رأس الحزب، وهو ما جعلها رمزًا لإعادة التوازن والاستقرار.

المنصوري ليست مجرد زعيمة حزبية، بل تمثل أيضًا الوجه الجديد للبام، حيث يراهن الحزب على حضور المرأة البامية كقوة اقتراحية وقيادية، في انسجام مع خطابه حول المساواة والتمكين. قيادتها تعكس رغبة الحزب في تجديد صورته أمام الرأي العام، وإبراز أنه قادر على الجمع بين الأصالة المغربية والحداثة السياسية، وبين القرب من المؤسسة الملكية والانفتاح على المجتمع المدني.

بهذا المعنى، فإن زعامة فاطمة الزهراء المنصوري ليست مجرد انتقال في القيادة، بل هي إعلان عن مرحلة جديدة في مسار الحزب، مرحلة تسعى إلى تجاوز صراعات الماضي، وترسيخ البام كقوة برلمانية وازنة، لها برنامج مستقبلي يقوم على الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، والدفاع عن الوحدة الترابية، مع حضور نسائي قوي يضفي على الحزب بعدًا إضافيًا في زمن تتعالى فيه الأصوات المطالبة بالمساواة والتمكين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!