تعيش العاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، على وقع حالة من الاحتقان الاجتماعي والتوتر، حيث تجد فئات واسعة من الساكنة نفسها محاصرة بين “مطرقة” قرارات الهدم وإعادة الهيكلة التي تطال دور الصفيح والأحياء الآيلة للسقوط، وبين “سندان” الضرائب والواجبات المالية المفروضة عليها مقابل الاستفادة من سكن بديل أو حتى الضرائب السكنية العادية…
في مطلع سنة 2026، تعيش الدار البيضاء على وقع تحولات عمرانية واجتماعية عميقة، حيث تتسارع عمليات الهدم لتشمل المباني الآيلة للسقوط، والأحياء الشعبية التي ظلت لعقود شاهدة على حياة البسطاء مثل المكانسة، إضافة إلى محلات تجارية شكلت جزءًا من ذاكرة المدينة مثل “لافيراي” السالمية، درب الرماد، والمدينة القديمة. هذه العمليات تُقدَّم في الخطاب الرسمي باعتبارها خطوة نحو التحديث الحضري وحماية الأرواح، لكنها في الواقع تفتح جراحًا اجتماعية عميقة، إذ تُفقد آلاف الأسر مأواها أو مصدر رزقها، دون أن تكون البدائل دائمًا جاهزة أو عادلة، مما يخلق شعورًا بالقلق والاغتراب لدى المواطن. وفي الوقت نفسه، تتزامن هذه التحولات العمرانية مع حملة ضريبية تثقل كاهل المواطن البسيط، حيث يجد نفسه مطالبًا بأداء الضرائب بدقة، بينما يرى أن شركات كبرى محصّنة من هذا الواجب بفضل نفوذ أصحابها البرلمانيين. هنا يظهر التناقض الصارخ بين خطاب المواطنة الذي يُطلب من الناس أن يتعلموه، وبين واقع الامتيازات الذي يكرّس شعورًا باللاعدالة. المواطن الذي يُقال له إن دفع الضرائب واجب وطني، يرى أن القوي يفلت من هذا الواجب، فيتساءل بمرارة: هل هذه هي المواطنة التي نُعلَّمها؟ إن المواطنة الحقيقية لا تُختزل في شعارات تُرفع أو دروس تُلقَّن، بل تُبنى على المساواة أمام القانون، وعلى شعور المواطن بأن الدولة تحميه وتعامله بإنصاف. لكن حين يرى أن الهدم يذكّره بقدرة الدولة على فرض سلطتها في الفضاء العام، بينما الإعفاءات الضريبية تذكّره بأن السلطة نفسها قد تتساهل مع الأقوياء، فإن مفهوم المواطنة يبدو وكأنه درس بالمقلوب، يُبنى على التفاوت في التطبيق لا على العدالة في الممارسة. وإذا كانت الدولة تريد أن تُزيّن وجه المدينة وتُظهرها في صورة حضارية، فإن هذا التزيين لا ينبغي أن يكون على حساب كرامة الأسر البسيطة. فالهدم إذا لم يُقابله بناء مساكن جديدة تحفظ للإنسان كرامته، يتحول إلى مأساة اجتماعية تُزرع في وجدان الأجيال القادمة. الطفل الذي يرى أسرته تُطرد من بيتها أو محل رزقها، ويشهد دموع والديه وعجزهم أمام الجرافات، سيحمل هذه الصورة معه وهو يكبر، وسيجد نفسه أمام سؤال وجودي: كيف ينظر إلى الدولة التي علّمته في المدرسة معنى المواطنة، بينما في الواقع جرّدته من أبسط حقوقه في السكن الكريم؟ هنا تكمن خطورة المشهد، إذ تتحول المواطنة التي يُراد غرسها في النفوس إلى شعور بالخذلان وفقدان الثقة في المؤسسات. إن تزيين المدينة لا ينبغي أن يكون مجرد مشروع عمراني، بل يجب أن يكون مشروعًا متكاملًا يوازن بين جمال العمران وعدالة الاجتماع. فكما تُهدم المباني الآيلة للسقوط، يجب أن تُبنى مساكن جديدة تحفظ للإنسان كرامته، وتمنحه شعورًا بالأمان والاستقرار. وكما تُزال الأسواق الشعبية، يجب أن تُفتح أبواب رزق بديلة، حتى لا يُترك المواطن في مواجهة البطالة والفقر. بهذا فقط يمكن أن يتحول التحديث إلى فرصة للارتقاء، لا إلى مأساة تُضاف إلى ذاكرة المدينة. إن الدولة التي تريد أن تُعلّم مواطنيها معنى المواطنة، عليها أن تُجسّد هذا المعنى في سياساتها وممارساتها. فالمواطنة ليست شعارًا يُرفع، بل هي عقد اجتماعي يقوم على المساواة والإنصاف. وإذا أرادت الدولة أن تزيّن المدينة، فعليها أن تزيّن أيضًا حياة مواطنيها، وأن تمنحهم سكنًا يليق بكرامتهم، حتى يشعروا أن التحديث ليس ضدهم بل معهم، وأن الوطن ليس مجرد فضاء عمراني بل بيت جامع يحمي الجميع. نسأل الله أن يجعل من هذه التحولات العمرانية في الدار البيضاء بدايةً لنهضة عادلة، تحفظ للإنسان كرامته وللمدينة ذاكرتها، وأن يوفق المسؤولين إلى إرساء ميزان المساواة في الضرائب والحقوق، فلا يُثقل الضعيف ولا يُعفى القوي. وليكن هذا الدرس القاسي مناسبةً لتجديد العهد على المواطنة الحقة، مواطنة تقوم على الإنصاف والشفافية، وتجمع بين الدولة والمواطن في عقدٍ من الثقة والوحدة. نسأل الله أن يحفظ المغرب وأهله، وأن يجعل من هذه اللحظة الصعبة منطلقًا لبناءٍ جديدٍ يليق بتاريخ الأمة وحاضرها، وأن يظل الوطن بيتًا جامعًا، تُصان فيه الحقوق وتُحترم فيه الواجبات، في ظل وحدةٍ راسخة وعدالةٍ شاملة.