العمل السياسي، في جوهره النبيل، هو أسمى تجليات المواطنة الحقة، وميدانٌ لخدمة الصالح العام والذود عن قضايا الوطن والمواطنين. لكن، ونحن نتابع بإمعانٍ مسارات الهياكل التنظيمية والممارسات الحزبية، نجد أنفسنا أمام تساؤلات جوهرية تفرضها متطلبات المرحلة؛ تساؤلات تنبثق من غيرة وطنية صادقة على نبل الرسالة السياسية ومكانتها في بناء مغرب الغد. لقد بات من المقلق حقاً أن نرى ركائز الفعل الحزبي تهتزُّ تحت وطأة تداخل المصالح، حيث تسلل بريق المال ونفوذه إلى مفاصل التدبير، ليتحول في بعض المحطات من وسيلة لدعم البرامج التنموية إلى غاية تبرر الوسائل، وتتحكم في الخرائط التنافسية. إن طغيان المقاربة المالية على حساب الكفاءة والمشروع الفكري، يهدد بإفراغ النخب من عمقها الثقافي والنضالي، ويجعل من الكراسي والمناصب رهاناً لمن يملك القدرة على التمويل، لا لمن يحمل همَّ التغيير. وما يزيد المشهد تعقيداً، هو تنامي ظاهرة “تبديل الأحزاب” أو الترحال السياسي، الذي غدا طقساً مألوفاً مع كل استحقاق أو تحول في موازين القوى. إن الانتقال العشوائي بين الهيئات السياسية، دون خلفية فكرية أو قناعات مبدئية، يرسخ انطباعاً سلبياً يوحي بأن الأحزاب مجرد “عربات بروتوكولية” لركوب موجة المصالح الآنية والمنافع الشخصية. هذا العبث التنظيمي لا يسيء فقط لتاريخ الهيئات السياسية، بل يضرب في الصميم التعددية الحزبية الحقيقية القائمة على التنافس البرامجي الشريف. وأمام هذا التحالف غير المقدس بين نفوذ المال وتذبذب الولاءات الحزبية، نصل حتماً إلى النتيجة الأكثر إيلاماً للمسار الديمقراطي: فقدان المصداقية. حين يرى المواطن أن الشعارات تتبدل بتبدل المصالح، وأن الوجوه تتنقل بين عشية وضحاها من خندق إلى خندق، يتدحرج منسوب الثقة إلى أدنى مستوياته، وينتشر العزوف كالنار في الهشيم. إن فقدان الثقة في الفاعل السياسي هو هدمٌ للجسر الرابط بين المؤسسات والمجتمع، وإضعافٌ للوساطة السياسية التي تشكل صمام الأمان للاستقرار والتنمية المستدامة.
إن التلازم الخطير بين تدفق المال غير المشروع في العروق السياسية وبين ظاهرة الترحال الحزبي العشوائي، بات يشكل طعنة في ظهر الخيار الديمقراطي وجوهر التعددية الحقيقية. فحينما تتحول التزكيات الحزبية والمقاعد الانتخابية إلى سلع خاضعة لمنطق العرض والطلب وقوة النفوذ المالي، تسقط القناعات الفكرية وتتلاشى البرامج السياسية لتفسح المجال أمام “كائنات انتخابية” لا تؤمن إلا بمصالحها الذاتية؛ كائنات تنزع قبعاتها الحزبية وترتدي غيرها بين عشية وضحاها دون أدنى حرج سياسي أو أخلاقي. هذه الثنائية الهجينة المرتكزة على المصلحة والتقلّب، لا تنتج سوى مشهد سياسي باهت وفاقد للمصداقية، الأمر الذي يرسخ لدى المواطن العادي قناعة سوداوية بأن صناديق الاقتراع لم تعد أداة للتغيير الفعلي، بل مجرد وسيلة لتدوير نفس الوجوه والنخب؛ وهو ما يعمق، بكل أسف، هوة العزوف الانتخابي، ويدفع ب فئات عريضة — وخاصة الشباب — إلى النفور التام من الشأن العام وهجران العمل السياسي المؤسساتي. إن مغرب الأوراش الكبرى، الذي يخطو بثبات نحو الريادة الإقليمية والدولية، يستحق نخبًا سياسية ترتفع إلى مستوى طموحاته؛ نخبًا تضع الأخلاق السياسية فوق كل اعتبار، وتعتبر الحزب فضاءً لإنتاج الأفكار لا بورصة للتعاقدات الإرثية.