إن ما يطرحه الزملاء يلامس جوهر الأزمة التي يعيشها الجسم الصحفي المغربي منذ سنوات طويلة. فالمجلس، الذي كان يُفترض أن يكون بيتًا جامعًا للمهنة وضامنًا لأخلاقياتها، تحول في نظر كثيرين إلى جهاز رقابي بامتياز، يمارس سلطة موازية على الصحافة بدل أن يكون سندًا لها. هذا الشعور بالهيمنة المطلقة، الممتد لأزيد من ربع قرن، جعل الصحافيات والصحافيين يعتبرون أن المجلس لم يعد أداة تنظيمية، بل أصبح أشبه بمقاطعة تابعة للبرلمان أو جهاز إداري ملحق بالداخلية، دون أن يملك الشرعية الكاملة أو الرؤية الواضحة. إن التضحيات التي قدمها الزملاء من أجل استمرار المجلس لم تُترجم إلى استقلالية حقيقية أو حماية فعلية للصحفيين، بل إلى مزيد من البيروقراطية والقيود. وهنا يظهر التناقض: كيف يمكن أن ننتظر إضافة جديدة أو إصلاحًا من مؤسسة يُنظر إليها كأداة للتحكم، لا كإطار للتنظيم والدفاع عن المهنة؟ إن هذا الوضع يعكس أزمة ثقة عميقة بين الصحافة والمؤسسات، حيث يشعر الصحفيون أن المجلس لم يعد يمثلهم، بل يراقبهم ويحد من حريتهم. الخطورة تكمن في أن استمرار هذا النموذج يضعف السلطة الرابعة ويجعلها رهينة لمؤسسات موازية، بدل أن تكون سلطة مستقلة قادرة على مساءلة السلطتين التنفيذية والتشريعية. لذلك، فإن النقاش اليوم لا يجب أن يكون حول إضافة جديدة أو تعديل شكلي، بل حول إعادة بناء النموذج برمته، على أسس تضمن استقلالية الصحافة، وتحمي الصحفيين من أي هيمنة، وتعيد الثقة بين الإعلام والمجتمع. إن اللحظة الراهنة تستدعي وقفة جادة لإعادة الاعتبار للسلطة الرابعة، بعيدًا عن الأجهزة الموازية والهيمنة البيروقراطية. فحرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه المؤسسات، بل حق أصيل يجب أن يُصان، حتى تظل الكلمة الحرة صوتًا للوطن، ومرآةً للعدالة، وحصنًا للديمقراطية. فعلى الذين يمسكون بخيوط الإعلام أن يعالجوا هذا المعطى بجدية، لأن استمرار منطق الهيمنة والرقابة لا يضعف فقط الصحافة، بل يهدد مكانتها كسلطة رابعة مستقلة، ويجعلها عاجزة عن أداء دورها الطبيعي في مساءلة السلطتين التنفيذية والتشريعية. إن الصحافة التي تُحاصر بالقيود وتُحرم من استقلاليتها، تتحول إلى مجرد صدى للخطاب الرسمي، وتفقد قدرتها على أن تكون صوت المجتمع ومرآةً لهمومه وتطلعاته. إن الأزمة الراهنة ليست أزمة مؤسسة بعينها، بل أزمة نموذج كامل يحتاج إلى إعادة بناء على أسس جديدة: أسس الحرية، الاستقلالية، والمسؤولية. فالمجتمع الذي لا يملك إعلامًا حرًا ومستقلًا، يظل أسيرًا للرواية الرسمية، محرومًا من التعددية، ومُعرضًا لانزلاقات خطيرة في مسار الديمقراطية. إن إعادة الاعتبار للسلطة الرابعة ليست ترفًا فكريًا ولا شعارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لحماية الوطن من الانغلاق، ولضمان أن تظل الكلمة الحرة حصنًا للعدالة، ودرعًا للديمقراطية، وصوتًا للمواطنين الذين لا يملكون سوى الإعلام ليعبر عنهم.لذلك، فإن اللحظة الراهنة تستدعي وقفة جادة ومسؤولة من كل الفاعلين، لإعادة الثقة بين الصحافة والمجتمع، ولتحرير الإعلام من قبضة الأجهزة الموازية والبيروقراطية الثقيلة. وحده الإعلام الحر القادر على أن يفتح نوافذ الأمل، ويمنح المواطنين الحق في المعرفة، ويصون كرامة المهنة، ويعيد للكلمة قوتها وللصحافة مكانتها.