جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

أزمة مجلس الصحافة بين رفض الساحة الإعلامية وامتحان السلطة الرابعة

0 71

المصطفى بلقطيبية 

في لحظة دقيقة من تاريخ الصحافة المغربية، يطفو إلى السطح جدل واسع حول مجلس الصحافة، ذلك الإطار الذي أُريد له أن يكون بيتًا جامعًا للمهنة وضامنًا لأخلاقياتها، فإذا به يجد نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات والرفض. فالساحة الإعلامية، بما تحمله من أصوات مهنية ونقابية، عبّرت في أكثر من مناسبة عن رفضها التام لآليات اشتغال المجلس، معتبرة أنه لم يحقق ما كان منتظرًا منه في تنظيم المهنة وحماية الصحفيين، بل ظل محاصرًا بين التجاذبات السياسية والبيروقراطية، مما جعله عاجزًا عن فرض نفسه كسلطة أخلاقية أو مهنية حقيقية.
إن السلطة الرابعة، التي يُفترض أن تكون رقيبًا على السلطتين التنفيذية والتشريعية، تجد نفسها اليوم أمام امتحان عسير: كيف تحافظ على استقلاليتها ومصداقيتها في ظل مؤسسات لم تستطع أن تمنحها ما تستحق من قوة وشرعية؟ فالمجلس، بصيغته الحالية، لم ينجح في أن يكون مرجعًا جامعًا، بل أصبح موضوعًا للانقسام، حيث يرى البعض أنه مجرد جهاز إداري محدود الفعالية، بينما يراه آخرون خطوة مؤسساتية ضرورية تحتاج إلى إصلاحات عميقة.
هذا الجدل يعكس أزمة أوسع في علاقة الدولة بالصحافة، إذ أن الصحافة المغربية، منذ عقود، ظلت تتأرجح بين لحظات الانفتاح والقيود، بين الرغبة في أن تكون سلطة رابعة حقيقية وبين واقع يحد من استقلاليتها. مجلس الصحافة، في هذا السياق، لم يأتِ ليحل الأزمة، بل ليكشفها ويضعها في الواجهة، حيث أصبح السؤال المطروح: هل نحن أمام مؤسسة قادرة على حماية المهنة، أم أمام جهاز إداري يضيف طبقة جديدة من البيروقراطية دون أن يحقق جوهر الإصلاح؟
إن رفض الساحة الإعلامية للمجلس بصيغته الحالية ليس مجرد موقف عابر، بل هو تعبير عن أزمة ثقة أعمق، أزمة تتعلق بغياب التمثيلية الحقيقية، وبضعف القدرة على حماية الصحفيين من الضغوط، وبغياب رؤية واضحة تجعل من المجلس سلطة أخلاقية تُعيد الاعتبار للمهنة. وإذا كان البعض يدافع عن وجود المجلس باعتباره خطوة ضرورية، فإن هذا الدفاع لا ينفي الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلته جذريًا، حتى يستعيد الإعلام مكانته كسلطة رابعة قادرة على مساءلة السلطة السياسية والاقتصادية.
إن اللحظة الراهنة تستدعي وقفة بروتوكولية جادة، تُعيد التفكير في النموذج برمته، وتطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للصحافة المغربية أن تستعيد قوتها ومصداقيتها في زمن التحولات؟ الجواب لا يكمن في رفض المجلس فقط، بل في بناء مؤسسات حقيقية تُجسّد معنى السلطة الرابعة، وتمنح الصحفيين ما يحتاجون إليه من حماية واستقلالية، وتعيد الثقة بين الإعلام والمجتمع.
نسأل الله أن يوفق أهل الصحافة والإعلام إلى ما فيه خير الوطن، وأن يجعل من هذه الأزمة فرصة لإعادة البناء على أسس صلبة، تحفظ للمهنة كرامتها وللصحفيين استقلاليتهم، وتعيد للسلطة الرابعة مكانتها كركيزة من ركائز الديمقراطية. وليكن هذا الجدل مناسبةً لتجديد العهد على حرية الكلمة، وعلى وحدة الصف الإعلامي، حتى تظل الصحافة المغربية صوتًا للحق، ومرآةً للوطن، وحصنًا للعدالة والشفافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!