الجولة الثالثة من المشاورات الدولية حول نزاع الصحراء المغربية، التي احتضنتها العاصمة الأمريكية واشنطن، لم تكن مجرد اجتماع تقليدي، بل محطة تكشف عن تحول نوعي في إدارة الملف. الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم داخل مجلس الأمن، اختارت أن تقود العملية السياسية إلى جانب الأمم المتحدة، في إطار قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي وضع أسسًا جديدة لاستئناف المفاوضات دون شروط مسبقة.
اللافت في هذه الجولة هو التكتم والتحفظ اللذان أحاطا بها، حيث فضّل المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، ومعه السفير الأمريكي مايكل والتز، إدارة النقاشات بعيدًا عن الأضواء، في محاولة لتوفير بيئة تفاوضية هادئة تسمح بتقريب المواقف. هذا الصمت الإعلامي لا يعكس غياب الدينامية، بل يعكس حساسية اللحظة وضرورة ضبط الإيقاع الدبلوماسي.
المغرب دخل هذه الجولة بمقترح مُحَيَّن للحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية، مدعومًا بقرار أممي حديث يؤكد أن هذه المبادرة هي الأساس الوحيد لأي حل سياسي قابل للتطبيق. في المقابل، الجزائر والبوليساريو ما تزالان متمسكتين بقراءة أحادية لمفهوم تقرير المصير، بينما الأمم المتحدة والولايات المتحدة تدفعان نحو مقاربة واقعية تقوم على التوافق.
إن ما يُعرف بـ”خارطة طريق مدريد 2026″ بدأ يتبلور كإطار عملي للمرحلة المقبلة، مع توقع عقد جولات إضافية قبل نهاية أبريل، بما قد يفضي إلى اتفاق إطار سياسي يحدد سقفًا زمنيًا ملزمًا للمسار الحالي. هذا التطور يعكس انتقال الملف من مرحلة الجمود إلى مرحلة البناء التدريجي، حيث يصبح التكتم أداة لضبط التوازن بين الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، والالتزام الأممي بمسار تفاوضي مقبول.
وهكذا، فإن المشهد اليوم يضع واشنطن في موقع القلب من العملية السياسية، ويجعل من الصمت الدبلوماسي لغة جديدة لإدارة نزاع طال أمده، في انتظار لحظة النضج التي تسمح بتحويل المبادرة المغربية إلى اتفاق نهائي يطوي صفحة الخلاف.