جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

تربية بيوت الرديلة: صناعة العداء ووهم القوة

الحسين اموح شهراوي

0 136
لم يكن ما واجهه المغرب في صحرائه مجرد نزاع حدودي عابر، بل اصطدامًا مركّبًا مع هوس أيديولوجي وتاريخي، تشكّل من بقايا قومية عربية مأزومة، وأحلام توسّع مريضة، وتحالفات باردة تُدار باسم “الأخوّة”، بينما تُمارس فيها أبشع أشكال الغدر.
هوس القذافي بالوصول إلى المحيط الأطلسي لم يكن سرًا، كما لم يكن خفيًا شغف القومية العربية بصناعة كيان عربي مصطنع في صحراء المغرب، ولو كان الثمن إبادة صنهاجة الصحراء، السكان الأصليين الذين لم يُغفر لهم أنهم اختاروا الانتماء التاريخي للإمبراطورية المغربية.
وفي الخلفية، كان الحزب البعثي بعقيدته الانقلابية، في تحالفه مع النظام الجزائري والقذافي، يحلم بإسقاط الملكية المغربية، لا حبًا في “تحرير الشعوب”، بل لتوسيع نفوذ الاشتراكية، مستوردًا من موسكو، مدعومًا بكوبا، ومستثمَرًا في نزاعات بالوكالة ضد المغرب.
كما كان هناك هوسٌ آخر أخطر: تصويب تكنولوجيا الحرب السوفياتية، ضخّ الأسلحة، تدريب الميليشيات، وتحويل الصحراء إلى مختبر دموي لتجريب نيران روسيا وكوبا وأذنابهم البعثيين باسم “الأخوّة” و”الإخاء”، بينما كانت البنادق موجّهة إلى صدور المغاربة، وإلى وحدة المغرب نفسها.
ومع ذلك، بقي المغرب متماسكًا، واختار الصبر بدل الفوضى، وخلق مدرسة الصمود و الحكمة و التبصر ، مدرسة الهدوء الصلب، والفهم العميق، وعدم تحويل الدفاع عن السيادة إلى هستيريا أيديولوجية. مدرسة تقول إن الرد الحقيقي لا يكون بالكراهية، بل ببناء الزمن، وبالرهان على اخلاص ابناءه وامكانياته الذاتية .
و من أخطر ما أنتجته بيوت الرديلة الإقليمية هو الأجيال المشحونة بالرداءة الفكرية والسياسية ، الأطفال الذين نشؤوا على تشويه التاريخ، وتلقينهم فنون الكراهية والعنصرية تجاه الجار، ليسوا مجرد ضحايا التعليم السيء، بل قنابل زمنية مؤجلة.
لكن، كما لم تحسب الأنظمة المعادية حسابًا، فإن هذه الأجيال لا تبقى أطفالًا يستهلكون دروس مدرسة بيوت الرديلة إلى الأبد.
فعند بلوغهم سن النضج، ستسقط الشعارات، وتتضح الحقائق، ويبدأ العقل في التفريق بين الحقيقة والوهم حينها، سيجد هؤلاء الشباب أمامهم مغربًا متقدمًا، مزدهرًا، رائدًا في كل المجالات، أسدًا إفريقيًا لا يُقهَر، دولة بنت قوتها بهدوء، وراكمت شرعيتها بالعمل، ولم تستهلك نفسها في الصراخ.
وسيُدركون المعنى العميق للجوار: أن جوار جار قوي، راسخ في تاريخه وشرعيته، خير وأكرم من جوار جار منهك، تأكله التناقضات، وتقوده العقد، ويحكمه الخوف من الحقيقة.
والمفارقة القاسية أن كل هذا العداء جاء ردًا على موقف مغربي نبيل، على دعم صادق قدّمه الراحل الملك محمد الخامس للجزائر وسوريا ودول إفريقية أخرى، يوم كانت تكافح من أجل الاستقلال، قبل أن تختار بعض هذه الأنظمة أن تكافئ المغرب بالخيانة والتآمر ومحاولة محوه من الجغرافيا والتاريخ.
إنها ليست مجرد قصة نزاع، بل قصة مدرسة، ونضج أمة، وفشل هوس أيديولوجي في كسر مغرب يعرف من هو… ويعرف لماذا بقي واقفًا.
التاريخ لا يُمحى،
والجغرافيا لا تُقايض،
والهوية لا تُختزل في شعارات أيديولوجية عابرة.
الأجيال حين تنضج لا تنسى، وستحاسب كل من حاول تزوير الحقائق وتسميم وعيها.
والمغرب، بعكس كل مؤامرات الرداءة، يظل أسد إفريقيا، متقدمًا، مزدهرًا، ومزودًا بكل مقومات القوة الحقيقية والشرعية التاريخية.
الحسين اموح شهراوي
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!