يظهر من خلال النقاش الدولي و الإقليمي العمومي و استقراء تعليقات المحللين السياسيين و الاقتصاديين ان سياسة و افعال إدارة دونالد ترامب لم تكن مجرد خروج عن السياسة الأمريكية التقليدية، بل تعبير عن تحول عميق في العقل الاستراتيجي للولايات المتحدة في عالم يتجه بثبات نحو تعددية الأقطاب، لكل قوة رؤيتها ومجالها الحيوي وأدواتها للتحكم في محيطها الجغرافي. إدارة ترامب فهمت أن الحفاظ على التفوق الأمريكي لم يعد ممكنًا بالهيمنة المباشرة كما في الماضي، بل عبر إعادة التموضع، ضبط النفوذ، وإعادة تعريف أدوار الحلفاء التقليديين. في هذا الإطار، اختارت سياسة “أمريكا أولًا”، تفكيك الالتزامات التقليدية وتحويل التحالفات إلى صفقات مشروطة بالمصالح الواقعية، مع السماح بتنافس محدود بين روسيا والصين، لكنها حرصت على منع أي قطب آخر من السيطرة الكاملة و من قيادة العالم فاوروبا، التي طالما اعتبرت مركز القرار الغربي، وجدت نفسها في موقع تابع و مجرد عازل مسلح بين امريكا و روسيا، مطالبة بمواجهة أزماتها الداخلية بمفردها، بينما أمريكا تفرض حضورها الصلب كقوة قادرة على ضبط خطوط اللعبة الكبرى، وهو الموقع الجديد الذي فرض على القارة الأوروبية دورًا أقل نفوذًا مما اعتادت عليه.
إفريقيا لم تعد ساحة للاهتمام المباشر، لكنها أصبحت فضاء مفتوحًا لتقاطع مصالح الأقطاب. الإدارة الأمريكية فضلت إدارة الصراع عن بعد، مع السماح لروسيا بممارسة النفوذ العسكري والأمني، ول الصين بتمدد اقتصادي واستثماري واسع، كل ذلك ضمن قواعد صراع محكومة تمنع الانزلاق إلى صدام مباشر. وهكذا لم يكن هناك اتفاق مسبق بين الأقطاب، بل تنظيم صراع ذكي يسمح لكل طرف بالمناورة ضمن حدود المصالح الأمريكية الحيوية.
في هذا المشهد، يبرز المغرب كحالة استثنائية. لم يعد مجرد تابع للمعايير الأوروبية، بل أصبح عامل توازن إقليمي قادر على ضبط النفوذ في شمال إفريقيا ومنع أي تمدد غير مضبوط للنفوذ الروسي أو الصيني، مع حماية مصالحه الوطنية، بما فيها تثبيت الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. المغرب أثبت أن الفاعل المحلي الذكي والقوي يمكنه تحويل الفراغ العالمي إلى فرصة استراتيجية لصالحه، بينما الدول أو المجتمعات التي تفتقر للقدرة على التموضع تصبح ملعبًا للاستقطاب الخارجي. ومع التقدم نحو المستقبل، يبدو أن مصير إفريقيا والشرق الأوسط مرتبط مباشرة بقدرة الدول على قراءة تحولات القوى الكبرى إفريقيا، إذا لم تبنِ استراتيجيات سيادية واضحة، ستظل فضاءً مفتوحًا للصراعات الاقتصادية والأمنية التي يفرضها الصراع بين الأقطاب. الشرق الأوسط، وعلى رأسه إيران، يمثل اختبارًا للقدرة على الصمود: إدارة ترامب اختارت مواجهة إيران بالضغط الاقتصادي والسياسي المكثف، مما جعلها محور صراع دائم بين النفوذ الأمريكي، الروسي، والصيني، مع تداعيات على استقرار المنطقة. الدول القادرة على حماية استقلالية قرارها وتحويل التحديات إلى قوة استراتيجية، مثل المغرب، تستطيع أن تُحدث تأثيرًا حقيقيًا في موازين القوة؛ أما من يغفل هذه التحولات، فسيظل تابعًا وموضع ضغط، بلا قدرة على حماية مصالحه أو التأثير في مجريات الأحداث. إن عالم تعددية الأقطاب اليوم ليس عالم فوضى عشوائية، بل عالم تحكمه قواعد صراع محكومة بعقلية صدامية ذكية، حيث النفوذ يحل محل الهيمنة المباشرة، والفراغ يصبح أداة للسيطرة أو فرصة لمن يفهم اللعبة و السؤال الحقيقي لكل دولة أو مجتمع لم يعد فقط أين يقف، بل هل يمتلك القدرة على التموضع الاستراتيجي الذي يحمي مصالحه الوطنية ويحوّل الفراغ إلى قوة؟. المغرب نموذج حي لمن يعرف كيف يقرأ الفرص، ويحافظ على استقلالية قراره في بيئة صعبة، بينما الإفريقي أو الشرق أوسطي الذي يغفل هذه القواعد سيجد نفسه مجرد تابع للصراعات التي تفرضها القوى الكبرى.
في هذا العالم الجديد، القدرة على الفعل والتموضع الذكي هي الفرق بين أن تكون طرفًا مؤثرًا أو مجرد مستهلك للنفوذ الخارجي.