تخضع ظاهرة الموجات الحارة المفرطة وغير المسبوقة التي يمر بها كوكبنا اليوم لتحليلات علمية دقيقة من المنظمات العالمية (مثل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO). وتعود هذه الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة إلى تضافر مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية التي تعزز بعضها بعضاً. ويمكن تلخيص أبرز هذه الأسباب في النقاط التالية: الاحتباس الحراري والتغير المناخي: يُجمع علماء المناخ على أن السبب الجذري والدافع الأكبر لشدة هذه الموجات هو تراكم غازات الدفيئة (مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان) في الغلاف الجوي نتيجة الأنشطة البشرية، وخاصة حرق الوقود الأحفوري (النفط، الغاز، والفحم) وإزالة الغابات. هذا التراكم يحبس حرارة الشمس داخل الغلاف الجوي ويؤدي إلى رفع متوسط حرارة الأرض بشكل مستمر. ظاهرة “النينيو” (El Niño) القوية: شهدت الفترات الأخيرة ذروة نشاط ظاهرة النينيو المناخية الطبيعية، والتي تتمثل في ارتفاع غير طبيعي لدرجات حرارة سطح المياه في شرق ووسط المحيط الهادئ. تطلق هذه الظاهرة كميات هائلة من الحرارة في الغلاف الجوي، مما يساهم في رفع درجات الحرارة العالمية بشكل مؤقت وفوق المعدلات الطبيعية، وتتحالف مع التغير المناخي لإنتاج موجات حرارة قياسية. القباب الحرارية (Heat Domes): تحدث هذه الظاهرة عندما تتشكل منطقة من الضغط الجوي المرتفع في طبقات الجو العليا، فتقوم بحبس الهواء الساخن في الأسفل وضغطه باتجاه الأرض (مثل غطاء الطنجرة). هذا الضغط يمنع تشكل السحب أو هبوب الرياح الباردة، مما يتسبب في بقاء الحرارة المفرطة مستمرة ومحتبسة فوق منطقة معينة لأيام أو أسابيع متواصلة. ارتفاع حرارة المحيطات: تمتص المحيطات أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري. وقد سجلت حرارة أسطح المحيطات حول العالم أرقاماً قياسية غير مسبوقة، مما يقلل من قدرتها على تبريد الكوكب، بل على العكس، تزيد من رطوبة الجو وحرارة الكتل الهوائية المتحركة نحو اليابسة. تغير سلوك التيار النفاث (Jet Stream): يؤدي التغير المناخي إلى إضعاف وجعل حركة التيار النفاث (وهو تيار هوائي سريع وسريع الحركة في طبقات الجو العليا) أكثر تعرجاً. هذا التعرج يجعل الأنظمة الجوية (سواء كانت موجات حر أو عواصف) “تتحرك ببطء شديد” وتستقر فوق مناطق معينة لفترات أطول بكثير من المعتاد. ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”: في المدن الكبرى، تساهم الخرسانة، والأسفلت، والمباني، وانبعاثات السيارات والمكيفات في امتصاص الحرارة والاحتفاظ بها طوال الليل والنهار، مما يجعل المناطق الحضرية أكثر سخونة بشكل ملحوظ مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة بها. هذا المزيج بين خط أساسي آخذ في الارتفاع بسبب التغير المناخي، والدورات الطبيعية مثل النينيو، يفسر لماذا تصبح موجات الحر اليوم أطول زمناً، وأكثر تكراراً، وأشد فتكاً. أما في المغرب، فإن الوضع لا ينفصل عن هذا السياق العالمي، بل إن المملكة تصنف علمياً ضمن إحدى أكثر المناطق تأثراً بالتغيرات المناخية في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا (ما يُعرف بنقاط المناخ الساخنة). وتعود حدة الموجات الحارة المفرطة التي بات يشهدها المغرب بانتظام إلى عوامل جغرافية ومناخية خاصة بالمنطقة، تتداخل مع الاحترار العالمي: ظاهرة “الشركي” الجافة: تعد هذه الظاهرة المحرك المحلي الأبرز لموجات الحر؛ حيث تتشكل كتل هوائية حارة وجافة جداً قادمة من الصحراء الكبرى وتحركها رياح جنوبية أو جنوبية شرقية نحو شمال ووسط وغرب البلاد. عند مرور هذه الكتل فوق سلسلة جبال الأطلس، تهبط نحو السهول المحاذية للمحيط الأطلسي وتزداد ضغطاً وسخونة، مما يؤدي إلى قفزات فجائية وحادة في درجات الحرارة تتجاوز أحياناً عتبة 45 أو 48 درجة مئوية. تراجع المرتفع الآصوري وتغير مسار المنخفضات: جغرافياً، يتأثر المغرب بـ “مرتفع الآصوري” الجوي. وفي السنوات الأخيرة، باتت المنظومة الجوية تشهد تمركزاً لمرتفعات جوية عنيدة وقوية فوق المنطقة، تمنع تدفق الكتل الهوائية الباردة والرطبة القادمة من الشمال المحيطي، وتفتح المجال في المقابل لتمدد “المنخفض الصحراوي” الحراري نحو عمق التراب الوطني. الجفاف البنيوي المتواصل: يعيش المغرب دورة جفاف قاسية وممتدة لسنوات متتالية، مما أدى إلى تراجع مخزون السدود وجفاف التربة وغياب الغطاء النباتي الرطب. علمياً، عندما تكون التربة رطبة، تُستهلك طاقة الشمس في تبخير المياه (التبريد بالتبخير)، أما عندما تكون التربة قاحلة وجافة تماماً، فإن طاقة الشمس تتحول بالكامل إلى “حرارة محسوسة” تسخن الهواء مباشرة، مما يسرع ويزيد من حدة موجات الحر. ارتفاع حرارة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي: سجلت المياه المحيطة بالمغرب (خاصة المتوسطية) درجات حرارة أعلى من معدلاتها المعتادة. هذا الدفء البحري يقلل من التأثير الملطف الذي كانت تلعبه البحار على المدن الساحلية، مما يجعل الليالي الصيفية أكثر رطوبة وخنقاً، ويحرم الأجواء من التبريد الليلي المعتاد. هذا التضافر بين الموقع الجغرافي للمملكة على مشارف الصحراء الكبرى، وتوالي سنوات الجفاف، مع تسارع وتيرة الاحتباس الحراري العالمي، جعل من موجات الحر المفرطة ظاهرة تتكرر في وقت مبكر من السنة، وتستمر لفترات أطول، وبأرقام قياسية غير مسبوقة.