لا يمكن للمراقب للمشهد السياسي الوطني أن يمر مرور الكرام على التزامن المثير للجدل بين قرار العودة المرتقبة إلى الساعة القانونية للمملكة، وبين أسابيع قليلة تفصلنا عن محطة الانتخابات التشريعية. إن هذا التوقيت بالذات يطرح علامات استفهام حارقة تتجاوز البعد التدبيري لتغوص في عمق الهندسة السياسية وكواليس صناعة القرار؛ فهل نحن أمام صحوة حكومية مفاجئة وتغير حقيقي في عقلية التعاطي مع المطالب الشعبية، أم أن الأمر لا يتعدى كونه مناورة سياسية مدروسة وتكتيكاً انتخابياً لترتيب أوراق المرحلة المقبلة وضمان العبور الآمن نحو الولاية الحكومية القادمة؟ في عالم السياسة والتدبير، تفقد المصادفات عذريتها وتصبح التوقيتات لغة قائمة بذاتها؛ فالشارع المغربي الذي عانى لسنوات من الإرهاق النفسي والجسدي بسبب الساعة الإضافية، يجد نفسه اليوم أمام استجابة تأتي في ربع الساعة الأخير من عمر الولاية الحكومية الحالية، وتحديداً مع اقتراب موعد التوجه إلى صناديق الاقتراع. هذا المعطى يدفع بالكثير من المراقبين إلى قراءة القرار من زاوية البراغماتية السياسية التي تسعى، أولاً وقبل كل شيء، إلى امتصاص الاحتقان المجتمعي المتراكم، وسحب ورقة ضغط حارقة من أيدي المعارضة قبل انطلاق الحملات الانتخابية، فضلاً عن محاولة ترميم صورة النخب السياسية الحالية لتحفيز الكتلة الناخبة وتفادي شبح العزوف الذي يهدد شرعية الصناديق. إن ما يدور في الكواليس اليوم ليس مجرد تغيير في عقارب الساعة، بل هو إعادة ترتيب لموازين القوى وبحث عن هوامش جديدة للمناورة السياسية؛ فالأحزاب المشكلة للأغلبية تدرك تمام الإدراك أن الاستمرار في العناد أمام قضايا تمس المعيش اليومي للمواطن قد يكلفها غاليا في الاستحقاقات المقبلة. ومن هنا، يبرز التراجع عن الساعة الإضافية كـ “تنازل تكتيكي” ذكي لتهدئة الأجواء وإرسال إشارات طمأنة للرأي العام، تمهيداً لإفراز خريطة سياسية جديدة تحافظ على استمرارية “دار لقمان” التدبيرية في جوهرها، ولكن بوجوه تحالفية جديدة أو بصيغ معدلة تناسب رهانات المرحلة المقبلة. إننا في جريدة “أصداء مغربية”، وإذ نثمن هذا الانتصار الذي جاء ثمرة لنداءات شعبية متواصلة كنا في طليعة المدافعين عنها، نؤكد أن الوعي المجتمعي قد نضج بما يكفي للتمييز بين الإصلاحات الهيكلية الصادقة وبين المسكنات الظرفية المحكومة بالهاجس الانتخابي. إن التغيير الحقيقي الذي ينشده المغاربة لا ينتهي عند استعادة ساعتهم القانونية المسلوبة، بل يبدأ من مراجعة شاملة لكافة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس قدرتهم الشرائية وكرامتهم. وبناءً عليه، سنظل نتابع ونحلل بخلفيتنا المهنية المستقلة كل ما يدور وراء الستار، فاضحين لكل أشكال الاستغلال السياسي للمطالب المشروعة، ومنتصرين دائماً للعمق الحقيقي لقضايا الوطن والمواطن بعيداً عن حسابات الصناديق الضيقة.