جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

فاجعة فاس..من يحمي أرواح المواطنين حين تتحول البيوت إلى مقابر؟

0 1٬834
في ليلة حزينة اهتزت مدينة فاس على وقع انهيار بنايتين متجاورتين من ” أربعة طوابق ” ويا لها من طوابق، لتتحول لحظة عادية من حياة الأسر إلى مأساة وطنية. الحصيلة الأولية كانت ثقيلة: 22 وفاة و16 مصابًا بجروح متفاوتة الخطورة، نُقلوا على وجه السرعة إلى المركز الاستشفائي الجامعي بفاس لتلقي العلاجات الضرورية.
هذه الفاجعة التي سُمّيت إعلاميًا بـ “فاجعة فاس” لم تكن مجرد حادث عمراني، بل صدمة عميقة طرحت أسئلة مؤلمة حول مسؤولية التراخيص، الرقابة، والمحاسبة. النيابة العامة دخلت على خط التحقيق، والسلطات المحلية استنفرت كل أجهزتها، لكن السؤال الأكبر ظل معلقًا: من يحمي أرواح المواطنين حين تتحول البيوت إلى مقابر؟
 بين التراخيص والرقابة
النيابة العامة سارعت إلى فتح تحقيق في ملابسات الحادث، وأعطت تعليمات دقيقة للبحث في التراخيص والتصاميم التعميرية، في محاولة لتحديد المسؤوليات بين الجماعة، المهندسين، المقاولين، والسلطات المكلفة بالمراقبة. فالوثائق التي تمنح شرعية للبناء ليست مجرد أوراق إدارية، بل هي ضمانة لسلامة الناس، وأي خلل فيها يتحول إلى كارثة.
مسؤولية متعددة المستويات
الفاجعة تكشف أن المسؤولية لا يمكن أن تُلقى على طرف واحد. فهي مسؤولية متعددة المستويات:
  • الجماعة التي تمنح الرخص دون متابعة صارمة.
  • المهندسون الذين يصادقون على التصاميم دون التأكد من مطابقتها لشروط السلامة.
  • المقاولون الذين قد يختصرون الطريق على حساب الجودة.
  • السلطات التي يفترض أن تراقب الأشغال وتمنع أي تجاوز.
إنها سلسلة مترابطة، وأي حلقة ضعيفة فيها كفيلة بأن تُسقط البناية وتُسقط معها أرواحًا بريئة.
فما حدث في فاس ليس مجرد انهيار عمراني، بل هو انهيار للثقة بين المواطن والمؤسسات. حين يفقد الناس شعورهم بالأمان داخل بيوتهم، يصبح السؤال أكبر من حادثة محلية، ويتحول إلى قضية وطنية تتعلق بمدى صرامة الدولة في حماية أرواح مواطنيها.
 الحاجة إلى إصلاح شامل
هذه الفاجعة يجب أن تكون جرس إنذار لإصلاح شامل في منظومة التعمير:
  • مراجعة طرق منح التراخيص.
  • تعزيز الرقابة الميدانية على الأشغال.
  • محاسبة كل من يثبت تقصيره أو تلاعبه.
  • وضع آليات شفافة تضمن أن البناء ليس مجرد تجارة، بل مسؤولية اجتماعية ووطنية.
ورغم قسوة المشهد، فإن فاجعة فاس يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة، إذا ما تم التعامل معها بجدية ومسؤولية، وإذا ما تحولت التحقيقات إلى محاسبة فعلية، والإصلاحات إلى واقع ملموس. فالمواطن المغربي يستحق أن يعيش في بيت آمن، وأن يطمئن إلى أن المؤسسات تحميه لا أن تتركه ضحية الإهمال.
في الصورة، تتراكم الطوابق فوق بعضها كأنها تصعد في سباق غير محسوب نحو السماء. طوبٌ فوق طوب، إسمنتٌ فوق إسمنت، توسعاتٌ مرتجلة، نوافذٌ غير متناسقة، وأسلاكٌ معلقة بين الحياة والخطر. إنه مشهد مألوف في مدننا، لكنه يحمل في طياته سؤالًا مرعبًا: هل هذا البناء يؤوي الإنسان… أم يهدده؟
الصورة التي أمامنا ليست فقط مشهدًا عمرانيًا، بل هي مرآة لواقع إداري واجتماعي هش. حين يُبنى البيت بلا هندسة، وتُضاف الطوابق بلا دراسة، وتُمنح الرخص بلا رقابة، يتحول السكن من حق إلى خطر، ومن مأوى إلى مقبرة محتملة.
المسؤولية لا تُختزل في اسم أو إدارة. إنها شبكة من التواطؤات والصمت والتراخي. الجماعة، المهندس، المقاول، المراقب، كلهم جزء من معادلة يجب أن تُراجع. لأن الأرواح لا تُحمى بالبلاغات، بل بالصرامة، بالضمير، وبالرقابة الحقيقية.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!