في لحظة وطنية صعبة، حين اجتاحت الفيضانات مناطق واسعة من بلادنا، كان المواطن ينتظر أن يرى الأحزاب السياسية ووزراءها في الصفوف الأمامية، إلى جانب الدولة والجمعيات المدنية، لتقديم الدعم والمساندة، وللتعبير عن قربهم من هموم الناس وآلامهم. لكن الواقع كشف مرة أخرى أن جل الأحزاب غابت عن الساحة، بل حتى بعض الوزراء المنتمين إلى ما يُسمى بـ”الأحزاب الملونة” انصهروا في حسابات انتخابية ضيقة، منشغلين بالاستعدادات للاستحقاقات المقبلة أكثر من انشغالهم بمصير المواطن المتضرر.
هذا الغياب يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العمل الحزبي في المغرب: هل الأحزاب ووزراؤها موجودون لخدمة المواطن في السراء والضراء، أم أن حضورهم يقتصر على مواسم الانتخابات والسباق نحو المقاعد؟ إن المواطن الذي فقد بيته أو عانى من آثار الفيضانات لم يكن بحاجة إلى خطابات انتخابية أو وعود مستقبلية، بل كان بحاجة إلى تضامن مباشر، إلى حضور ميداني، إلى وزراء ومسؤولين يترجمون المسؤولية إلى فعل ملموس.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن بعض الأحزاب ما زالت أسيرة منطق انتخابي ضيق، حيث ينصهر وزراؤها في حسابات انتخابية بدل أن ينصهروا في هموم المواطن. هذا السلوك يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن وهذه الأحزاب، ويؤكد أن الشرعية السياسية لا تُكتسب فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر القرب من المواطن في لحظات الشدة.
في المقابل، برزت الدولة بمؤسساتها تحت إشراف جلالة الملك كفاعل رئيسي في حماية المواطنين، حيث تم إجلاء عشرات الآلاف قبل وقوع الكارثة، وتقديم مساعدات غذائية وصحية وإيوائية، وإصلاح البنيات التحتية المتضررة، وإطلاق برامج دعم اجتماعي للأسر الأكثر هشاشة. هذا الحضور القوي كشف هشاشة الأحزاب، وأكد أن المواطن لا يجد سنداً إلا في مؤسسات الدولة والجمعيات المدنية والمتطوعين.
إن غياب الوزراء المنتمين للأحزاب الملونة في هذه الظرفية يعكس أن بعض المسؤولين لا يرون في مناصبهم سوى وسيلة للتموقع السياسي، لا وسيلة لخدمة الوطن والمواطن. وهذا ما يفرض مراجعة عميقة لدور الأحزاب في الحياة العامة، وإعادة تعريف وظيفة الوزير كخادم للشأن العام لا كمرشح دائم للاستحقاقات المقبلة.
بهذا المعنى، فإن الفيضانات الأخيرة لم تكشف فقط عن قوة الدولة في إدارة الأزمات، بل كشفت أيضاً عن ضعف الأحزاب ووزرائها في أداء دورهم المجتمعي. وإذا لم تتحرك هذه الأحزاب لتصحيح مسارها، فإنها ستظل بعيدة عن المواطن، وسيظل المواطن بعيداً عنها، لأن ما يهمه هو من يقف بجانبه في الشدة، لا من يطرق بابه في موسم الانتخابات.
في زمن الأزمات، تتعرى الشعارات وتنكشف الحقائق. الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مناطق واسعة من بلادنا كانت امتحاناً حقيقياً للوطنية وللمسؤولية السياسية. الدولة، تحت إشراف جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تحركت بسرعة وفعالية، فأجلت عشرات الآلاف من المواطنين قبل وقوع الكارثة،

