جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

العيد والعبور وكرامة المواطن حين يصبح الشوق إلى الوطن رحلة شاقة

0 4

مع كل مناسبة دينية، ومع اقتراب عيد الأضحى على وجه الخصوص، يبدأ آلاف المغاربة المقيمين بالخارج رحلتهم السنوية نحو الوطن يحملون معهم الهدايا للأهل والأصدقاء، وحقائب مثقلة بسنوات من الحنين، وقلوباً متلهفة لدفء العائلة، ولمّ الشمل، واستعادة لحظات بسيطة لا تعوضها حياة الغربة مهما حققت من نجاحات.
فبالنسبة للكثيرين منهم، لا يتعلق الأمر بمجرد سفر عادي، بل بعودة وجدانية إلى الأرض التي ولدوا عليها، وإلى الأزقة والبيوت والوجوه التي يسكنها جزء من ذاكرتهم وهويتهم.
إنها رحلة نحو الوطن بقدر ما هي رحلة نحو الذات.
غير أن هذه المشاعر الجميلة تصطدم أحياناً بواقع العبور وما يرافقه من اكتظاظ وتأخر وطوابير طويلة تستنزف الوقت والأعصاب، وتلقي بظلالها على فرحة الوصول. فالمسافر الذي قضى ساعات طويلة في الطريق لا يتمنى عند وصوله سوى أن يكمل رحلته في ظروف مريحة تحفظ له كرامته وتمكنه من احتضان أسرته دون عناء إضافي.

والحقيقة أن الضغط الذي تعرفه المعابر خلال فترات الأعياد والعطل الصيفية أمر مفهوم ومتوقع، بحكم الأعداد الكبيرة من الوافدين لكن ما ينتظره المواطن هو أن يقابل هذا الضغط باستعداد استثنائي وتعبئة كافية للموارد البشرية واللوجستية، بما يضمن انسيابية أكبر ويخفف من معاناة الانتظار.
فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مجرد مسافرين عابرين؛ إنهم جزء أصيل من الوطن، يرتبطون به وجدانياً واقتصادياً وثقافياً. وعودتهم السنوية ليست فقط مناسبة عائلية، بل أيضاً لحظة تعزز الروابط الاجتماعية وتنعش الحركة الاقتصادية في مختلف مناطق البلاد.
ومن هنا، فإن تحسين ظروف العبور لا ينبغي النظر إليه كخدمة إدارية فقط، بل كرسالة تقدير واحترام لمواطنين اختاروا، رغم سنوات الغربة وبعد المسافات، أن يظلوا أوفياء لوطنهم ومتشبثين بجذورهم.

إن المطلوب اليوم ليس البحث عن المذنب أو تبادل الانتقادات، بل العمل على تطوير منظومة العبور بشكل مستمر، عبر تعزيز الموارد البشرية خلال فترات الذروة، وتسريع الإجراءات، وتوسيع الاعتماد على الرقمنة، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين. فهذه الإجراءات ليست ترفاً إدارياً، بل ضرورة تفرضها المكانة التي تحتلها الجالية المغربية داخل النسيج الوطني.

وفي النهاية، يبقى أجمل ما في هذه الرحلات ذلك الشوق الذي يدفع الآلاف إلى قطع مئات الكيلومترات من أجل لحظة لقاء مع الأهل والأحباب ومن حق هذا الشوق أن يجد في استقباله تنظيماً يليق به، ومن حق تلك القلوب العائدة إلى الوطن أن تعبر في ظروف تجعل فرحة الوصول أكبر من مشقة الطريق.
فالوطن لا يقاس فقط بالمسافات التي تفصل أبناءه عنه، بل أيضاً بالكيفية التي يستقبلهم بها عندما يعودون إليه.

الحسين اموح شهراوي
مدير مكتب اصداء مغربية بجهة مراكش اسفي
السبت 23 مايو 2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!