جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين شغب الملاعب وحكمة الدولة… كيف أنقذ الملك محمد السادس العلاقات المغربية السنغالية من أزمةٍ كادت أن تتحول إلى شرخٍ دبلوماسي ؟

0 7

أصداء مغربية // يوسف انهيض 

ما وقع بعد نهائي كأس أمم إفريقيا لم يكن مجرد أحداث شغب رياضي عابرة، بل لحظة توتر خطيرة كادت أن تدفع العلاقات المغربية السنغالية نحو منعطف حساس، بعدما تحولت أجواء المنافسة الكروية إلى مواجهات وفوضى داخل الملعب، إثر اقتحام بعض المشجعين السنغاليين أرضية الميدان واندلاع أعمال شغب انتهت بتوقيف عدد منهم وإصدار أحكام قضائية تراوحت بين ثلاثة أشهر وسنة سجناً.

غير أن خطورة الأزمة لم تتوقف عند حدود المدرجات، بل امتدت إلى المجال السياسي والدبلوماسي، خاصة بعد التصريحات المثيرة للجدل التي صدرت عن الوزير الأول السنغالي السابق عثمان سونكو، والذي حاول إخراج الملف من طابعه القضائي والرياضي إلى مستوى سياسي حساس، عبر التلويح باتفاقيات تبادل السجناء وإطلاق إشارات اعتبرها كثيرون مستفزة للمغرب في ملف الصحراء المغربية، خصوصًا حين تحدث عن “55 دولة إفريقية”، في تلميح فُهم على أنه يحمل رسائل سياسية غير بريئة تجاه الوحدة الترابية للمملكة.

وفي خضم هذا الاحتقان، ظهر الفرق الواضح بين منطق الانفعال السياسي ومنطق الدولة الحكيمة.

فبينما كانت بعض الأصوات تدفع نحو مزيد من التصعيد، اختار الملك محمد السادس أن يتعامل مع الأزمة بعقل الدولة المتبصّرة، لا بمنطق ردود الفعل والغضب.

لم يسمح جلالة الملك بأن تتحول تصرفات مشجعين أو تصريحات سياسية متسرعة إلى قطيعة مع شعبٍ شقيق تجمعه بالمغرب قرون من الأخوة والتاريخ والدين والتصوف والعلاقات الإنسانية العميقة.

ثم جاءت اللحظة التي أعادت الأمور إلى حجمها الحقيقي…

فبعد إقدام الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي على إقالة عثمان سونكو وحل الحكومة، في خطوة اعتبرها متابعون تصحيحًا لمسار التوتر الذي عرفته العلاقات الخارجية للسنغال خلال الأشهر الأخيرة، أصدر الملك محمد السادس عفوًا ملكيًا ساميًا عن المشجعين السنغاليين الموقوفين.

ذلك القرار لم يكن مجرد إجراء قانوني أو لفتة إنسانية عابرة، بل رسالة سياسية وأخلاقية عميقة تؤكد أن المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، يفرّق بين أخطاء الأفراد وعمق العلاقات بين الشعوب، ويؤمن بأن الحكمة والتسامح أقوى من منطق الانتقام والانفعال.

لقد عاد المشجعون إلى عائلاتهم، وعادت العلاقات المغربية السنغالية إلى دفئها الطبيعي، لكن الدرس الذي بقي راسخًا هو أن الدول العظيمة لا تُقاس فقط بقوة قوانينها ومؤسساتها، بل أيضًا بقدرتها على حماية الأخوّة الإنسانية وضبط الغضب حين تكون الأزمات في أوجها.

وهكذا، أثبت الملك محمد السادس مرة أخرى أن القيادة الحقيقية ليست فقط إدارة الأزمات، بل منعها من التحول إلى جراح بين الشعوب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!