الخروج من المونديال ليس نهاية المطاف، بل هو امتحان متجدد يضع كرة القدم المغربية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة من النضج والريادة. لم يعد المنتخب المغربي مجرد مشارك يبحث عن تمثيل مشرف أو عبور شرفي للأدوار الأولى، بل تحول إلى قوة كروية عظمى يضرب بها المثل عالمياً، ومدرسة في الصمود والتخطيط استطاعت إزاحة عمالقة وعباقرة اللعبة الذين هيمنوا على منصات التتويج لعقود طويلة. إن القراءة المتأنية في مسار الأسود بين طفرة الدوحة وملحمة بوسطن تؤكد أننا أمام مشروع كروي مستدام يملك كل المقومات لصناعة المجد في القادم من الاستحقاقات.
لقد كانت البداية من مونديال قطر 2022، هناك حيث زلزل الأسود أركان الخارطة الكروية التقليدية، وأعادوا كتابة التاريخ بمداد من ذهب كأول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى المربع الذهبي. لم يكن ذلك الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء بعد إطاحة منظمة بمنتخبات تصدرت المشهد العالمي لسنوات؛ فتساقطت قلاع بلجيكا وإسبانيا والبرتغال أمام العزيمة المغربية والتنظيم التكتيكي الصارم. في تلك البطولة، قدم المغرب للعالم نموذجاً في التلاحم والدفاع المستميت والروح القتالية، مبرهناً على أن الإرادة قادرة على قهر الفوارق الفنية والتاريخية، ومحطماً العقدة النفسية التي طالما كبلت طموح المنتخبات الإفريقية والعربية في المحافل الدولية الكبرى.
وجاء مونديال 2026 ليؤكد رسوخ هذه المكانة ويثبت للعالم أجمع أن ما تحقق في قطر لم يكن طفرة عابرة أو ضربة حظ. من جديد، وقف أسود الأطلس الند للند أمام كبار اللعبة، وبسطوا شخصيتهم القوية في الملاعب الأمريكية، مكرسين مكانتهم ضمن الثمانية الكبار عالمياً للنسخة الثانية على التوالي. ورغم أن سيناريو مواجهة فرنسا في ربع النهائي أعاد تفاصيل رقمية مؤلمة بالخسارة بهدفين نظيفين، ورغم الحسرة التي خلفتها المباراة جراء غياب الفعالية الهجومية أمام شباك الديوك، إلا أن الأداء البطولي للحارس التكتيكي ياسين بونو واستبسال المجموعة طوال الدقائق التسعين عكس شخصية البطل التي بات يتسم بها هذا الجيل. الخروج هذه المرة لم يكن انكساراً، بل كان بمثابة اختبار حقيقي كشف للمنظومة الكروية مكامن النقص التكتيكي التي تحتاج إلى الصقل والتطوير لتجاوز هذا الدور الإقصائي المستعصي.
إن ما ينتظر كرة القدم المغربية في المنظور القريب والبعيد يتجاوز بكثير البكاء على الفرص الضائعة؛ فالأسود باتوا اليوم القدوة والمنارة التي تهتدي بها منتخبات القارة السمراء، والمسؤولية الملقاة على عاتق الإدارة الفنية والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أصبحت مضاعفة. التحدي القادم يكمن في استثمار هذه الخبرات المتراكمة وبناء جيل متوازن يجمع بين الصلابة الدفاعية الخارقة التي يقودها حماة العرين، وبين النجاعة الهجومية القاتلة التي تحول السيطرة الميدانية إلى أهداف داخل الشباك. إن الرهانات القادمة، وعلى رأسها نهائيات كأس أمم إفريقيا والاستعداد المبكر للمونديال القادم، تتطلب نفساً طويلاً وعملاً دؤوباً لتطوير المراكز الهجومية وضخ دماء جديدة قادرة على ترجمة الإبداع المغربي إلى ألقاب ومنصات تتويج.
نغلق صفحة المونديال الأخير برؤوس مرفوعة وفخر لا ينكسر، مدركين أن المسار نحو القمة مليء بالمطبات والامتحانات الصعبة. المنتخب المغربي لم يعد يبحث عن الاعتراف، فالاعتراف قد فرض بقوة الأقدام والنتائج؛ والآن حان الوقت لتحويل هذا التميز إلى استراتيجية قطف الثمار، مواصلين الحلم والثقة في مجموعة رفعت سقف الطموحات إلى عنان السماء، ورسمت خارطة طريق واضحة المعالم لجيل لا يرضى بغير الريادة بديلاً.