لم تكن قضية الصحراء المغربية يوماً مجرد نزاع حدودي أو ملفاً فوق رفوف الأمم المتحدة، بل كانت ولا تزال نبض الأمة المغربية، والميزان الذي تقيس به المملكة صدق الصداقات ونجاعة الشراكات. واليوم، ونحن نرقب المشهد الجيوسياسي، نجد أن المغرب قد انتقل ببراعة من مرحلة “إدارة النزاع” إلى مرحلة “حسم الملف”، بفضل رؤية ملكية متبصرة جعلت من “مبادرة الحكم الذاتي” التي قدمها المغرب عام 2007، ليس فقط حلاً تقنياً، بل المرجع الوحيد والواقعي القابل للتطبيق فوق أرض الميدان. إن القارئ في دفتر التحولات الدبلوماسية الأخيرة، يلحظ بوضوح تآكل الأطروحات الانفصالية أمام منطق التاريخ والجغرافيا؛ فخريطة الاعترافات الدولية لم تعد مجرد حبر على ورق، بل تُرجمت إلى واقع ملموس بافتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية لدول إفريقية وعربية وأمريكية بمدينتي العيون والداخلة، في إعلان صريح عن السيادة الكاملة للمغرب على أقاليمه الجنوبية. هذا الزخم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج حراك دبلوماسي هادئ، دفع عشرات الدول إلى مراجعة مواقفها التاريخية، حيث سحبت دول عديدة (تجاوزت 16 دولة في إفريقيا وحدها ومثلها في أمريكا اللاتينية) اعترافاتها بـ “الكيان الوهمي”، مدركةً أن استقرار المنطقة يمر حتماً عبر بوابة الرباط. ولعل المنعطف الأبرز الذي نعيشه اليوم، هو “تسونامي” التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، والذي لم يعد مقتصرًا على القوى التقليدية، بل امتد ليشمل عواصم القرار العالمي. فمن الاعتراف التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية، إلى الموقف الإسباني الشجاع والواضح الذي يرى في المبادرة المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية، وصولاً إلى الدعم الألماني والفرنسي والأوروبي المتنامي، أصبحت “الواقعية السياسية” هي اللغة السائدة. هذا الاعتراف الدولي الواسع لم يكن لينجح لولا تلك الثورة التنموية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس في الأقاليم الجنوبية، محولاً الصحراء إلى قطب اقتصادي عالمي وجسر يربط أوروبا بالعمق الإفريقي. إننا اليوم أمام واقع جديد، عنوانه أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، وأن قطار التنمية والشرعية الدولية قد انطلق ولن يعود للوراء. إن توالي سحب الاعترافات بالكيان المزعوم، وتعاظم التأييد العالمي لمغربية الصحراء، هو انتصار لمنطق الدولة على منطق الجماعات، وتكريس لمسار الإصلاح والاستقرار تحت راية إمارة المؤمنين، التي تظل الضامن الروحي والتاريخي لوحدة الأرض والوجدان.