شهدت الساحة الثقافية المغربية ولادة حدث فني استثنائي يحمل اسم مهرجان “أرواح غيوانية”، والذي يأتي كخطوة استراتيجية وهامة لإعادة الاعتبار لأحد أبرز الروافد الموسيقية والفكرية في تاريخ المغرب المعاصر. هذا المهرجان، الذي يرى النور للمرة الثالثة بفضل شراكة مؤسساتية متينة بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومجلس جهة الدار البيضاء سطات، لا يكتفي بإحياء الذاكرة الموسيقية الجماعية، بل يذهب عميقاً في تفكيك عناصرها وإعادة قراءتها برؤية معاصرة تنصف كل المساهمين في صياغتها. إن القيمة المضافة الحقيقية لهذا المهرجان تكمن في جرأته على نبش زاوية ظلت لسنوات طويلة في الظل، وهي زاوية “البصمة والحضور النسائي” في الموروث الغيواني. فالمجموعات الخالدة مثل “ناس الغيوان”، “جيل جيلالة”، و”لمشاهب” لم تكن مجرد ظواهر رجالية خالصة، بل كانت المرأة في قلبها؛ سواء كصوت رائد ومؤثر حفر اسمه في الذاكرة مثل الراحلة سكينة الصفدي، أو كملهمة وحاضنة للثقافة الشفهية والصوفية الشعبية التي استمدت منها هذه المجموعات قوتها التعبيرية وشاعريتها الزجلية. تتوزع فعاليات هذا الحدث بين سحر الفرجة وهيبة الفكر، حيث تلتقي الأجيال في سهرات موسيقية تعيد إحياء الريبرتوار الغيواني الخالد، بالتوازي مع ندوات فكرية وأكاديمية تسعى إلى توثيق هذه التجربة وسد الفراغ النقدي حول الأدوار المحورية للمرأة فيها. إن مهرجان “أرواح غيوانية” ليس مجرد احتفال عابر، بل هو وثيقة اعتراف وطنية بعبقرية هذا الموروث، وتأكيد على أن صيانة الذاكرة الثقافية للمملكة لا تكتمل إلا بإنصاف نون النسوة التي ألهمت وصنعت جزءاً لا يتجزأ من هوية ووجدان الشعب المغربي.”. يتميز برنامج الدورة الثالثة لمهرجان “أرواح غيوانية” (دورة 2026) بتنظيمه على شكل محطات متنقلة تربط بين مدن جهة الدار البيضاء-سطات، حاملاً شعار الاحتفاء باللمسة والأصوات النسائية في قلب هذه الظاهرة الموسيقية. فمنذ انطلاقة شرارته الثالثة في الثاني والعشرين من ماي الماضي، بَصَمَ مهرجان “أرواح غيوانية” على رحلة ثقافية متنقلة جابت عِدة محطات استراتيجية بجهة الدار البيضاء-سطات. فقد كانت البداية من قلب العاصمة الاقتصادية بـ “ساحة ماريشال” التي شهدت افتتاحاً نابضاً بالحياة، لتعبر القافلة الفنية بعد ذلك نحو “المركز الثقافي بمديونة”، قبل أن تعود للبيضاء مجدداً لتتخذ من “مسرح عبد الصمد الكنفاوي” فضاءً للتبادل والنقاش. وتتواصل هذه الرحلة التراثية لتصل إلى محطتها ما قبل الأخيرة يوم الجمعة والسبت 12 .13 يونيو بمدينة أزمور، في ليلة يمتزج فيها التاريخ بسحر النغم، لتُسلم المشعل مباشرة إلى أمسية الختام التي ستكون مسكاً بكل المقاييس؛ حيث يشهد الحفل الاختتامي لقاءً فنياً استثنائياً يجمع بين اللمسة النسائية المبدعة لمجموعة “بنات لمشاهب” والإيقاعات الفرَجية الأصيلة لمجموعة “تكادة”، في تلاحم يجسد استمرارية هذا الإرث وتجذره. ولأن المهرجان يحمل في جوهره قيم الوفاء، ستتوج هذه الليلة بلحظة اعتراف مؤثرة تكرّم روح أحد أعمدة الظاهرة الغيوانية، الفنان الراحل محمد السوسدي، لتختتم الدورة فعالياتها بترسيخ ثقافة العرفان وصيانة الذاكرة الموسيقية الجماعية.