جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

العزوزية… ليست مجرد محطة جديدة، بل فرصة لإنقاذ كرامة المسافر

0 25

 

ابتداءً من يوم الجمعة 24 يوليوز 2026، تطوي مدينة مراكش صفحة امتدت لعقود مع المحطة الطرقية بباب دكالة، لتفتح صفحة جديدة مع المحطة الطرقية بالعزوزية. وقد يرى البعض أن الأمر لا يعدو أن يكون انتقالاً من بناية إلى أخرى، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فهو انتقال من مرحلة عنوانها الفوضى والارتجال، إلى مرحلة يُفترض أن يكون عنوانها النظام، والشفافية، واحترام كرامة المسافر.
لقد ارتبط اسم محطة باب دكالة، على مدى سنوات، بصورة لا تليق بمدينة تعد واجهة المغرب السياحية. فكم من مسافر وجد نفسه محاصراً بالسماسرة والوسطاء قبل أن يصل إلى شباك التذاكر، وكم من مواطن اضطر إلى دفع مبالغ إضافية أو تلقى معلومات مضللة بسبب غياب الرقابة، حتى أصبح بعض هؤلاء السماسرة يمارسون سلطةً غير رسمية داخل المحطة، وكأنها أصبحت مجالاً خاصاً بهم أكثر منها مرفقاً عمومياً.
ولذلك، فإن افتتاح محطة العزوزية يمثل قراراً شجاعاً يستحق الدعم، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن زمن الفوضى يجب أن ينتهي، وأن المرافق العمومية لم تعد تحتمل استمرار الممارسات التي أرهقت المواطنين وشوهت صورة مراكش أمام زوارها.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن البنايات الجميلة لا تصنع النجاح وحدها. فكم من مشاريع كلفت الملايير، لكنها فقدت قيمتها بسبب ضعف التسيير وغياب الصرامة. لذلك فإن الامتحان الحقيقي يبدأ اليوم، وليس يوم تدشين المحطة.
فنجاح محطة العزوزية رهين بقدرة الجهات المشرفة على فرض القانون دون تردد، والقضاء النهائي على السماسرة والوسطاء، واحترام التعريفة القانونية، وتأمين المحطة ومحيطها، وتنظيم حركة سيارات الأجرة والنقل الحضري، وتوفير خدمات تليق بكبار السن وذوي الإعاقة والأطفال، مع إحداث آلية فعالة لتلقي شكايات المواطنين والتفاعل معها بسرعة وشفافية.
وفي المقابل، فإن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا بمراعاة الجانب الاجتماعي. فهناك أشخاص كانوا يشتغلون بالمحطة القديمة، وقد يتضررون من هذا الانتقال. وهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا ضحايا للإصلاح، بل يجب مواكبتهم وإيجاد حلول قانونية تحفظ لهم كرامتهم وحقهم في العيش الكريم، لأن الدولة القوية لا تكتفي بفرض النظام، بل تحرص أيضاً على حماية الفئات المتضررة من التحولات الكبرى.
إن محطة العزوزية ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هي اختبار حقيقي للإدارة ولجميع المتدخلين. فإذا انتقلت الفوضى من باب دكالة إلى العزوزية فلن يتغير سوى العنوان، أما إذا فُرض القانون، واختفت مظاهر الاستغلال، وأصبح المسافر يحظى بخدمة محترمة داخل فضاء منظم وآمن، فإن مراكش ستكون قد ربحت أكثر من محطة؛ ستكون قد ربحت ثقة المواطن، وعززت صورتها كمدينة حديثة تحترم زوارها وساكنتها.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد تذكرة بثمنها الحقيقي، ومعلومة واضحة، واستقبالاً محترماً، وأمناً، ونظاماً، وعدالة في المعاملة. وهذه حقوق بسيطة، لكنها عندما تتحقق، تتحول إلى عنوان حضاري يعكس قوة المؤسسات واحترامها للإنسان.
ولنجعل من محطة العزوزية بداية عهد جديد، لا تُقاس فيه جودة المرافق بجمال الإسمنت والزجاج، بل بمدى احترامها للمواطن، لأن كرامة المسافر ليست خدمة إضافية، بل هي أساس كل تنمية حقيقية، وعنوان كل مدينة تؤمن بأن الإنسان هو أغلى استثمار.

أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!