جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

قراءة تحليليّة شاملة في التقرير السنوي لبنك المغرب (2025) : تسارع النمو الاقتصادي، الاستقرار المالي، والتحديات الهيكلية الممتدة

0 20

 استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم الإثنين، بالقصر الملكي بتطوان، السيد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، الذي رفع إلى جلالته التقرير السنوي للبنك المركزي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2025. وفيما يلي قراءة تحليليّة شاملة في التقرير السنوي لبنك المغرب

يقدم التقرير السنوي المرفوع إلى السدة العالية بالله من طرف والي بنك المغرب، السيد عبد اللطيف الجواهري، حصيلة دقيقة ومفصلة عن الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية للمملكة خلال سنة 2025. ورغم بيئة دولية شديدة التعقيد والتغير، أبانت الماكرو-اقتصاد المغربي عن قدرة لافتة على الصمود واستعادة زخم النمو، بالتوازي مع كبح جماح التضخم والحفاظ على التوازنات المالية. غير أن التقرير لم يكتفِ برصد المؤشرات الإيجابية، بل وضع اليد بشجاعة صريحة على الاختلالات الهيكلية المتواصلة، وعلى رأسها أزمة التشغيل وسوق الشغل المتردية.
سجل التقرير أن الاقتصاد العالمي واصل نموه بنسبة 3.4% خلال سنة 2025، وهو نفس المستوى المسجل في السنة السابقة. إلا أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي خلفه تقلبات حادة وصدمات متتالية، إذ أدت الحرب في إيران إلى تراجع الطاقات الإنتاجية واضطراب سلاسل التوريد وتفاقم حالة عدم اليقين حول الآفاق الاقتصادية العالمية. كما شهدت سنة 2025 تحولاً جذرياً في السياسة التجارية للولايات المتحدة تمثل في رفع الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسجلة منذ عقود، قبل اتفاقات وتعديلات لاحقة سعت لتهدئة التوترات التجارية. وعلى مستوى أسواق المواد الأولية، واصلت أسعار النفط تراجعها ليصل متوسط سعر البرنت إلى 69 دولاراً للبرميل بفضل وفرة المعروض من دول “أوبك+” وضغط الطلب. وعلى العكس من ذلك، قفزت أسعار المعادن النفيسة كالذهب والفضة إلى مستويات قياسية تاريخية، كما ارتفعت أسعار الفوسفاط والأسمدة نتيجة للطلب القوي والقيود الصينية. وفي ظل هذه التحولات، تباطأ التضخم عالمياً ليعود إلى 4.1%، وواصلت البنوك المركزية الكبرى نهج التيسير النقدي، باستثناء بنك اليابان الذي واصل رفع الفائدة.
وعلى الصعيد الوطني، حققت المملكة المغربية أداءً اقتصادياً متميزاً على المستوى الكلي خلال سنة 2025. فقد تسارع معدل النمو الاقتصادي ليبلغ 4.9% مقارنة بـ 4.4% في 2024. ولم يقتصر هذا التحسن على التعافي النسبي للظروف المناخية، بل كان مدفوعاً بقوة بالأنشطة غير الفلاحية، وفي مقدمتها قطاعا البناء والسياحة، إضافة إلى الخدمات غير التسويقية المرتبطة بتوسيع العرض الاجتماعي وزيادة الأجور. وقد مثل الاستثمار العمومي المحرك الرئيسي للنمو، حيث سجل حجمه ارتفاعاً بنسبة 16.3%. ويعزى هذا المجهود إلى المشاريع الكبرى المتعلقة بتطوير البنيات التحتية، والتكيف مع التغير المناخي، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، والتحضير لاستضافة التظاهرات الرياضية الكبرى. ورغم هذه الحركة الاقتصادية النشطة، انخفض معدل التضخم ليتراجع إلى 0.8% فقط، وهو ما يعود إلى السياسة النقدية الملائمة، وهبوط أسعار النفط الدولية، والتدابير الاستثنائية مثل دعوة جلالة الملك إلى الامتناع عن أضحية عيد الأضحى التي خفضت أسعار اللحوم، بالإضافة إلى المحصول الاستثنائي للزيتون.
كما أظهرت التوازنات الماكرواقتصادية والمالية للمملكة مؤشرات إيجابية عززت الثقة الدولية. فقد انخفض عجز الميزانية (دون احتساب تفويت أصول الدولة) إلى 3.5% من الناتج الداخلي الخام، انخفاضاً من 3.9% في 2024، وذلك بفضل ارتفاع المداخيل الضريبية بنسبة 15.3% وتعبئة 40.1 مليار درهم عبر آليات التمويل الابتكاري. وتبعاً لذلك، تراجع معدل دين الخزينة إلى 66.6% من الناتج الداخلي الخام، مع تراجع الدين الداخلي إلى 49.1%. وفيما يخص القطاع الخارجي، ورغم اتساع العجز التجاري ليعادل 20.5% من الناتج الداخلي الخام جراء ارتفاع الواردات، إلا أن الطفرة الاستثنائية للسياحة بمداخيل بلغت 138.6 مليار درهم وتحويلات مغاربة العالم التي بلغت 122 مليار درهم حصرت عجز الحساب الجاري في 2.4% فقط. وشهدت الاستثمارات الأجنبية المباشرة ارتفاعاً إلى 60.6 مليار درهم، وتمكن المغرب من العودة إلى درجة “الاستثمار” (Investment Grade) في التصنيف السيادي، مما أتاح له إصدار سندات دولية بقيمة 20.9 مليار درهم بشروط مريحة، فيما استقرت الأصول الرسمية للاحتياطي عند 442.9 مليار درهم، وهو ما يعادل أكثر من 5 أشهر و11 يوماً من الواردات.
لكن بالرغم من هذه الأرقام المشجعة كلياً، ركز والي بنك المغرب بشكل عميق على وجود فجوة صارخة بين الأداء المالي والمؤشرات الاقتصادية المدونة وبين الواقع والمشاعر اليومية للمواطنين. وأوضح التقرير أن سوق الشغل يمثل الحلقة الأضعف في الاقتصاد الوطني، فرغم إحداث 193 ألف شغل في 2025، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لخفض نسبة البطالة التي استقرت عند مستوى مرتفع جداً بلغ 13%. وتظهر المعطيات هداراً كبيراً للطاقات البشرية؛ إذ إنه من بين 407 ألف شخص بلغوا سن العمل في 2025، لم يلتحق بسوق الشغل سوى 177 ألف شخص فقط، كما أن أقل من 4 أشخاص من بين كل 10 أفراد في سن العمل هم مشتغلون فعلياً في وظائف. وتزداد الصورة تعقيداً مع وجود ما يقارب 3 ملايين شاب تراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج نظام التعليم والتكوين وخارج سوق الشغل (فئة NEET)، فضلاً عن تصريح أكثر من ثلثي الأجراء بعدم الاستفادة من التغطية الصحية في إطار عملهم نتيجة انتشار العمل المؤقت والموسمي.
وترافق مع أزمة الشغل تعميق للتفاوتات الاجتماعية والمجالية وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط. حيث يفوق مستوى إنفاق الفئة الأعلى (20%) بـ 7 أضعاف إنفاق الفئة الأدنى، كما يعادل إنفاق ابن المدينة ضعف إنفاق ابن القرية. وإلى جانب ذلك، يسجل التقرير أن نظام المقاصة، الذي رصد له 18 مليار درهم في 2025، ما زال يستفيد منه الميسورون أكثر من غيرهم بسبب طابعه الشامل، في حين كلفت الامتيازات والإعفاءات الضريبية الميزانية أكثر من 32 مليار درهم دون تقييم دقيق لجدواها الأفقية والاجتماعية.
ولضمان استدامة النمو وتجاوز معضلة المغرب “الذي يسير بسرعتين”، اقترح بنك المغرب حزمة إصلاحات استراتيجية حاسمة. وتتلخص هذه التوصيات في ضرورة الإسراع بتأهيل المنظومة التعليمية والتكوين المهني لإعداد يد عاملة مؤهلة وتجاوز التردد في خيارات الإصلاح المتعاقبة. كما شدد التقرير على تحفيز الاستثمار الخاص ليتولى القيادة مع التراجع التدريجي للاستثمار العمومي، وذلك عبر تفعيل ميثاق الاستثمار الجديد وصندوق محمد السادس للاستثمار وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وأكد البنك أيضاً على الاستهداف الأمثل للدعم الاجتماعي من خلال إعادة توجيه نفقات المقاصة والامتيازات الضريبية لصالح الفئات المعوزة وتقليص الفوارق الترابية. وأخيراً، دعا التقرير إلى تعزيز الأمن المائي والسيادة الغذائية والطاقية عبر التسريع بتدبير الإجهاد المائي، وتطبيق تسعيرة عادلة للماء، وإنشاء نظام وطني مدمج للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، والانتقال نحو الطاقات المتجددة، بالتوازي مع تفعيل الجهوية المتقدمة لتعبئة الكفاءات الإقليمية وخلق أقطاب اقتصادية جهوية متوازنة.

القسم الاقتصادي // أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!