في الوقت الذي يستعد فيه الشعب المغربي للاحتفال، يوم 30 يوليوز 2026، بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، تواصل الدبلوماسية المغربية تحقيق مكاسب نوعية في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة وترسيخ الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء.
ويأتي هذا المكسب الدبلوماسي الجديد من جمهورية مالي، التي جددت، في ختام أشغال الدورة الرابعة للجنة الكبرى المشتركة للتعاون المغربي–المالي، المنعقدة يوم الجمعة 24 يوليوز 2026 بالعاصمة باماكو، موقفها الثابت الداعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية ولسيادتها الكاملة على أقاليمها الجنوبية. وقد ترأس أشغال هذه الدورة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج السيد ناصر بوريطة، إلى جانب نظيره المالي السيد عبد الله ديوب.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها مالي داخل منطقة الساحل الإفريقي، مما يعزز الدينامية الدولية المتنامية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويؤكد أن الرؤية المغربية أصبحت تحظى بثقة متزايدة داخل القارة الإفريقية.
وقد توجت أشغال اللجنة ببيان مشترك تضمن مواقف سياسية واستراتيجية مهمة يمكن إجمالها فيما يلي مع قراءة بين السطور ”
أولاً: تجديد الدعم المالي للوحدة الترابية للمملكة:
أكدت جمهورية مالي من جديد موقفها الثابت الداعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية ولسيادتها على كامل ترابها الوطني، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية، وهو موقف يعكس قناعة سياسية راسخة بعدالة القضية الوطنية.
كما جددت باماكو دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، باعتبارها الحل الوحيد الجاد وذي المصداقية والواقعي لتسوية هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
ويأتي هذا التأكيد امتداداً للقرار التاريخي الذي اتخذته الحكومة المالية خلال شهر أبريل الماضي والقاضي بسحب اعترافها بالكيان الانفصالي، بما يعكس تحولاً سياسياً ودبلوماسياً بالغ الدلالة.
كما استند البيان المشترك إلى المرجعية الأممية، من خلال التأكيد على انسجام هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن، وخاصة القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، الذي يكرس أولوية الحل السياسي الواقعي والتوافقي.
( قرار تاريخي بناءً على الخطاب الملكي السامي والقرار الموالي للديوان الملكي، تقرر رسمياً إقرار يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً جديداً للمملكة يحمل اسم “عيد الوحدة”. )
ثانياً: شراكة اقتصادية برؤية استراتيجية:
لم يقتصر اللقاء على تأكيد المواقف السياسية، بل شكل أيضاً محطة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في مجالات التجارة والاستثمار والفلاحة والطاقة والبنيات التحتية.
كما جددت مالي اهتمامها بالانخراط في المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ والبنيات التحتية المغربية، بما يفتح أمامها آفاقاً جديدة للتنمية والاندماج الاقتصادي.
وشكل منتدى الأعمال المغربي–المالي مناسبة مهمة لبحث فرص الاستثمار وإقامة مشاريع مشتركة تعزز المبادلات التجارية وتخدم مصالح البلدين.
الدبلوماسية التنموية… رهان يحقق النتائج
إن التحول الذي تعرفه مواقف عدد متزايد من الدول الإفريقية تجاه قضية الصحراء المغربية لا يمكن فصله عن الرؤية الملكية التي جعلت من التعاون جنوب–جنوب ركيزة أساسية للسياسة الخارجية المغربية.
فالمملكة لم تكتف بالدفاع عن عدالة قضيتها الوطنية، بل نجحت في بناء نموذج متكامل يقوم على الاستثمار، ونقل الخبرات، وتعزيز التنمية المشتركة، بما جعل عدداً من الدول الإفريقية تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً موثوقاً في تحقيق التنمية والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم مالي لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب انخراطها في المبادرة الأطلسية، لا يمثل موقفاً دبلوماسياً عابراً، بل يعكس اختياراً استراتيجياً قائماً على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة.
بخصوص الأبعاد الاقتصادية للشراكة المغربية–المالية:
يمكن تصنيفها العلاقات الاقتصادية بين المغرب ومالي بترجمة وتنفيذ التوجهات الملكية السامية الرامية إلى جعل التنمية أداة لتعزيز الأمن والاستقرار في القارة الإفريقية، ويتجلى ذلك في عدة مجالات، من أبرزها:
* تمكين مالي، باعتبارها دولة غير ساحلية، من الاستفادة من المبادرة الملكية الأطلسية والولوج إلى الأسواق العالمية عبر الموانئ المغربية، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي.
* الحضور المتزايد للمؤسسات والشركات المغربية في القطاعات البنكية والمالية والاتصالات والبناء والأشغال العمومية والفلاحة والأسمدة.
* تشجيع القطاع الخاص في البلدين على إقامة مشاريع استثمارية مشتركة من خلال منتدى الأعمال المغربي–المالي.
* تكريس الرؤية الملكية التي تعتبر أن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل يمر عبر التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل وتعزيز الاندماج الإقليمي، وليس عبر المقاربة الأمنية وحدها.
إن تجديد جمهورية مالي دعمها الصريح للوحدة الترابية للمملكة المغربية ولمبادرة الحكم الذاتي يؤكد أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تواصل تحقيق مكاسب متراكمة تقوم على رؤية استراتيجية تجمع بين الشرعية الدولية والتنمية المشتركة والشراكة الإفريقية المتوازنة.
كما يعكس هذا الموقف التحول المتزايد في مواقف العديد من الدول الإفريقية، التي أصبحت تنظر إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والجاد والوحيد الكفيل بطي هذا النزاع الإقليمي، في إطار احترام سيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية التي تعتبر قضية كل المغاربة.
حسب الخبراء الامنيين والاقتصاديين فان التوجهات الملكية السامية بخصوص المقاربة المغربية تجاه منطقة الساحل الإفريقي: تعتمد على معادلة ثنائية تتكامل فيها التنمية الاقتصادية مع الحوكمة الأمنية والقوة الناعمة. وينطلق المغرب في هذا التوجه من رؤية استراتيجية تعتبر أن الحلول الأمنية والعسكرية وحدها غير كافية لمواجهة تحديات المنطقة ما لم تُدعم بتنمية شاملة واستقرار اقتصادي.