جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

المغرب وإسبانيا والجزائر: معادلات الجوار وتناقضات الموقف الإقليمي

0 11

تكتسي التحولات الجيوستراتيجية المعاصرة في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا أهمية بالغة بالنظر إلى حجم الرهانات الأمنية والاقتصادية التي تحكم المنطقة، وهي رهانات تتأرجح باستمرار بين منطق الشراكة المتبادلة وتحديات الصراع الإقليمي الممتد. وتبرز العلاقات المغربية الإسبانية من جهة، والعلاقات المغربية الجزائرية من جهة أخرى، كأنموذجين متناقضين تماماً في كيفية إدارة ملفات الجوار والتاريخ والحدود؛ إذ بين منطق البناء والتكامل الذي أطّر الشراكة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد، وحالة التوتر والجمود التي تطبع العلاقات بين المملكة المغربية والجزائر، تتشكل الخريطة السياسية والمستقبل التنموي للمنطقة برمتها في ظل عالم يتشابك فيه الأمن القومي بالمصالح الاقتصادية الكبرى.
وعلى الضفة الشمالية، شهدت العلاقات المغربية الإسبانية تحولاً تاريخياً فارقاً انتقلت بموجبه العلاقات بين البلدين من مربع إدارة الأزمات التقليدية إلى أفق الشراكة النموذجية والاستراتيجية الاستثنائية. وقد شكل الموقف الإسباني الصريح الصادر في مارس 2022، والدعم الواضح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية لحل النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، نقطة ارتكاز نضجت معها الرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة. ولم يتوقف هذا التحول عند الحدود الدبلوماسية فقط، بل انعكس بشكل مباشر على توثيق التعاون الأمني في مكافحة الجريمة المنظمة والتصدّي للهجرة غير النظامية، فضلاً عن تعزيز التبادل التجاري الذي يضع إسبانيا كأول شريك اقتصادي للمملكة. وتتوج هذه الشراكة المتينة بالمشروع الحضاري والرياضي التاريخي المتمثل في الملف الثلاثي المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، وهو مشروع أعمق من مجرد حدث رياضي، إذ يمثل جسراً استراتيجياً حقيقياً للربط القاري والتكامل الاقتصادي والتنموي بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
في المقابل، وعلى الضفة الشرقية، تتسم العلاقات المغربية الجزائرية بقطبية معقدة يغلب عليها التوتر الدبلوماسي والجمود الجغرافي الذي تعود جذوره إلى عقود من الزمن. ويتجلى الخلاف المحوري في أطروحة النظام الجزائري الداعمة للنزاع الانفصالي وتغذية الأزمة الإقليمية، في الوقت الذي تواصل فيه المملكة المغربية ترسيخ سيادتها الكاملة على أقاليمها الجنوبية وحشد الدعم الدولي المتزايد لمبادرتها للحل السياسي. وقد أدى هذا النهج العدائي إلى تعميق حالة القطيعة، بدءاً من استمرار إغلاق الحدود البرية منذ سنة 1994، وصولاً إلى قرار الجزائر الأحادي بقطع العلاقات الدبلوماسية وإيقاف ضخ الغاز عبر الأنبوب المغاربي-الأوروبي. وتتسبب حالة الاستقطاب هذه وسباق التسلح المستمر في تعطيل أجهزة ومؤسسات اتحاد المغرب العربي، مما يحرم شعوب المنطقة من فرص التنمية التكاملية والاندماج الاقتصادي الشامل في ظرفية عالمية دقيقة تقتضي التكتل والتآزر.
إن قراءة هذه الديناميات المتناقضة تؤكد أن الاستقرار والتنمية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط يظلان مرهونين بتغليب منطق الدبلوماسية والحوار والواقعية التاريخية. وبينما يثبت النموذج المغربي الإسباني أن الإرادة السياسية والاحترام المتبادل قادران على تحويل التحديات التاريخية إلى فرص للشراكة والازدهار المشترك، يظل التعنت وتغذية النزاعات الإقليمية عائقاً حقيقياً أمام طموحات الشعوب وتطلعها نحو السلام والاستقرار. وتبقى المملكة المغربية، برؤيتها الاستراتيجية الممتدة نحو عمقها الإفريقي وجوارها الأورو-متوسطي، شريكاً أساسياً في بناء التوازنات الكبرى وتكريس الأمن والتنمية العابرة للحدود.

المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!