مسابقة القصة القصيرة «الضحايا الـ19 أو قاتل متسلسل» للكاتب المغربي ميمون حرش
في إطار المسابقة الأدبية للقصة القصيرة – دورة 2026، التي تنظمها جريدة أصداء مغربية بشراكة مع المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية للإعلام والتسامح، تبرز القصة القصيرة «الضحايا الـ19 أو قاتل متسلسل» للكاتب المغربي ميمون حرش كإبداع أدبي يعكس قدرة السرد على الغوص في أعماق النفس البشرية، واستنطاق الهواجس والاضطرابات التي تميز الإنسان في لحظات ضعفه ووحدته.
ملخص القصة
تتناول القصة يوميات شخصية مأزومة، تعيش هواجس القتل والاضطراب النفسي، حيث تختلط الوقائع بالهلوسات، والصراصير المقتولة بالفئران الغائبة، في مشهد يثير القلق والدهشة. يتضح أن الطفولة القاسية وعشق أفلام الرعب لهتشكوك شكّلا خلفية لهذا الهذيان، الذي لا يقدم ضحايا حقيقيين بقدر ما يعكس اغتراباً داخلياً عميقاً. القصة ترسم عالماً متشظياً، حيث يصبح القتل رمزاً للانكسار النفسي، والكتابة وسيلة لتفريغ الألم، مما يجعل النص شهادة أدبية على هشاشة الإنسان حين يواجه وحدته.
الضحايا الـ19 أو قاتل متسلسل بقلم ميمون حرش
صباح هذا اليوم، لم أكن على سجيتي، مُضطرباً أرتشف قهوتي بعد أن سحقتُ باقة من صراصير، كمزامير، نامتِ الليْلَ كلّه على جفوني، تركتُها تنتفض أمامي، أرجلها مُرسَلة للسقف، تتراقص على أنغام بخارِ قهوة أيامي.
لم أشأ أن تتعذب، بعد حفلة الرقص، جمعتُها تحت حذائي، ثم دستُ عليها؛ أخرج من البيت بسرعة دون أن ألتفت، أستقل سيارة أجرة، الصخب داخلها أثارني بسبب الراديو.. بادرتُ السائق بصرير بعد أن ضاعف من زوادة الصوت:
“هل تدرك أنك تُقل قاتلا؟ “
السائق لم يعلق، ولم يخفض من صوت الراديو، وكلمة “قاتل” لم تحرك فيه شعرة، لم أفكر بـأن يكون أطرشَ مثلاً، إذ لا وجود لسائق أعمى، ولا أطرش؛ التهور مطلوب، لكن الأذن والعين من أهم ما يُطلبان في سياقة القطيع، وحتى السيارات، وحتى الطائرات.. إنه يتحداني، قصد بهذا الصمت المريب أن يذلني، هو سائق وأنا قاتل، والمفروض أن يخاف مني، وأن يضطرب حين أتكلم، على الأقل أن يتأدب أمامي، أنا قاتل نعم، لكني زبون، وبعض التأدب مفروض، وهذا ما يجب أن يفهمه.. ألَا يفكر هذا المأفون في دمه، جميع أفلام هتشكوك التي أدمنتُ على مشاهدتها، القاتل فيها مهيب، وأنا مكسور.. يا للذل!
كان لا بد من ردة الفعل …
(…)
في بعض أوراق يومياته بياض، وتشطيب كثير جعلني أفك حروفه بصعوبة حتى وإن كانت طريقة كتابته تشبه رسوم خطي، لم أقوَ على تبيُّن ما صنع بعد ذلك (كان لابد من ردة الفعل).. فقط أقرأ كلمة “قاتل” مجزأة، وبخط مضغوط، يبدو من طريقة الحفر في الورقة أنه أفرغ فيها أعصابه.. هل كان يفرغ أعصابه بهذه الطريقة، وفي ورقة بيضاء؟!
كومة من الأوراق أمامي، رتبتُها بصعوبة، يبدو أن صاحبها كان قد اتخذ قراره برميها، أو حرقها، لكنه تراجع في آخر لحظة مُفضلا، لسبب لا أدريه، أن يرسلها لي عبر بريدي الأرضي.
أواصل قراءة يومياته، ولأني أعرف كاتبها جيداً كتجاعيد وجهي، استغربتُ كيف نَمَتْ فكرة القتل في نفسه، لعل عشقه لأفلام الرعب والقتل يد في هذا التحول.
هو قريني، عشنا طفولتنا سوياً، كنتُ أغار منه كثيراً، رغم تفوقي عليه في القسم، العجيب أنه لم يكن يُظهر لي أي شعور يفضح ما يجيش داخله من أحاسيس متناقضة تجاهي؛ رعونته تستفزني، بسببها، وبسبب مشاكساته المستمرة، في لقاءاتنا الكثيرة، داخل القسم وخارجه، أتعنتر وأخبره- كلما أردت أن أغيظه- بتفوقي في مادة الرياضيات (أول نقطة في الفصل)، ذلك لأني خبرتُ مستواه المتدني في مادة الحساب، ولأزيد من زوادة إغاظتي له أكشف له علامتي كل مرة (19 من 20)، فيقول لي دون ملامح، وببرود تام: “حين أكبر سأقتل 19”.
“19” سيقتلها.. يا للهول!
برودة أعصابه هي التي كانت تجعلني أغار منه، لا نأمة كانت تصدر عنه حين يعاتبه المدرس، أويشاكسه الزملاء مُصرحين أو مُعرضين، بارد هو بشكل عجيب، (لعل كل القتلة بهذا الانطباع).
أرفع عيني عن أوراقه، وأهذي:
“آهٍ، لو يرحل عني قطار العمر، فيتركني طفلا، ويتعطل حتى لا يعود ليصحبني معه حين أهرم، لكن القطار عاد، وكنتُ قد كبرت، وها أنا أعيد قراءة هذه اليوميات من جديد، وللمرة العاشرة، (ربما أكثر) ، كما لو كنتُ صاحبها، بغية تنقيحها، وإخراجها في حلة بهيجة…طيب لِمَ؟ .كرمي لذكرى كاتبها، أم صوناً لهذيان قادم، من ملمحه بداياتي المحتشمة للزهايمر..”
أعود لأوراقه، للذكريات، للبدايات والنهايات، وأغر ق فيها.
أقرأ يومياته، متلهفاً، علني أتعرف ضحاياه، لا أحد.. لا اسم معين، لوكان قاتلا بجد لكنتُ أول ضحاياه، (تأخرتُ كثيراً في فهم هذه الحقيقة)، لكنه يبدو أنه عازم، أن يقتلني بطريقة أخرى حين خصني تحديداً دون أصدقائه، بأن أهداني يومياته؛ لا اسم معين من ضحاياه الـ19، لا أعثر على شيء يذكر سوى سرب من الصراصير يسحقها، وعددها أقل من 19، وربما أكثر.
لا شيء غير إقراره سحقه سرباً من الصراصير التي نامت على جفونه، وجفوني في تلك الليلة..
يا لَتلك الليلة!
تلك الليلة، كنتُ نجيَّه، حدثني فيها عن أسرار، اقشعر لها بدني.
في تلك الليلة، بعد منتصف الليل، شاهدنا معاً فيلم/”psycho”مُختل، وكما كان مخرجه ألفريد هيتشكوك يجبر المُشاهد على التلصص، علمني صاحبي كيف أتلصص على حياته الشخصية، صاحبي يجيد الحكي، كان يغريني كل مرة، وهو يتحدث عن علاقة أمه/ زوجة أبيه المتسلطة، التي ربته، فأتخيل ما أسمعه منه كما لو أني أشاهد فيلماً سينمائياً يُظهر، في لقطات كثيرة، مُعادة، سيدة مسنة، اكتنزت لحماً، وطبقت شحماً، بيدها عصا مُسننة، ترفعها عالياً حتى تبدو كساحرة الحكايات، ثم تهوي بها عليه كلما صرخ، أواشتكى، أو تثاءب حتى.. كانت تختار، من جسد الفتى، مواضعَ حساسة، لم يكن ظهره يغريها أبداً؛ حين يتكوركقنفوذ، تعاف ظهره، ولا تسلط عصاها إلاّ على أماكنَ بعينها، حيث يفرخ الألم أكثر، الغريب أن الفتى صاحبي لا يصرخ، وجهه، بما يراكمه جسده من ضربات مبرحة، يصبح أزرقَ قاتماً كتنخيـم مريضٍ بالسل، ولأنها لا تصدر منه نأمة، ولا صوت، ولا استجداء فهي التي كانت تقوم بدورين: تضرب وتصرخ في الوقت نفسه، بعد ذلك تتهادى وترتاح، تماماً، أما صاحبي فيُفرك عينيه كأنه يفيق من حلم مزعج، ينفض عنه غبار السنين، وينهض كمن أدى دوراً مسرحياً فوق الركح.
(…)
عاد للبيت مقهوراً، كانت الشمس في السماء كرة حارقة، متوجة فوق كرسي الظهيرة على شكل قُرص، تلهب الأجساد، وتقْرص، نزل من السيارة التي أقلته كمُطارَد، ينز عرقاً، كان يسرع في خطوه، كأنه في مهمة مستعجلة، لو تريّث ونظر خلفه لألفى سائق التاكسي الذي أقله قد ترك المقود، وظل يراقبه مدة سيره قبل أن يصل باب بيته.. قولته: ” هل تعلم أنك تقل قاتلاً “عَلِقَت برأسه، عكس ما تخيل.
يدخل البيت، (بين الخروج والدخول لم تمرّ أكثر من ساعتيْن حسب يومياته)، رأساً يتوجه للمطبخ، ففيه جثث قتلاه، وكان لابد من الاطمئنان على صنيعه، ينقل نظره في المطبخ كأنه لأول مرة يراه.. أرضه غير مطلية، وشكل مطبخه أشبه بحوض ماء، لا ماء فيه، يزدان على حافة النافذة أص وردٍ مصطنع، تعلوه أغبرة، كل ورقة من زهره اكتست لوناً مختلفاً بسببها، ليست في المطبخ ثلاجة، في الوسط طاولة مستطيلة، بقوائم قصيرة، على رأسها كرسي بلاستيكي، بلا مسند، لونه أزرقُ، مغطى بإزار، من فرط أوساخه، لا تظهره معالم لونه.. وفي ذيل الطاولة كرسي ثانٍ، بمسند، أثر جلوسه المتكرر عليه جلية للعين، إذ القعر في وسطه محفور مما يوازي شكل مؤخرة مُسن.. ولعل اختياره الكرسي الثاني، كلما جلس، في ذيل الطاولة مرده لمواجهة النافذة الوحيدة في المطبخ، أثناء تناوله طعامه، النافذة هي شاشته المفتوحة على كل شيء، في دنياه، هي سينماه الثانية، هذا فضلا عن أنه يكره الصدارة في كل شيء، في الأرقام خاصة، إذ إنه يتطير بالرقم (1) (بسببي غالباً)؛ فوق الطاولة فتات خبز يابس، مُهمل وعلبة سردين لا زالت تحتفظ في قعرها بجزء يسير منها، علقت فيه ذبابة أكبر من حجم صرصور واحد مما سحقه برجله.
مساحة المطبخ لا تسع سوى لشخصين، هو الثاني دائماً، أما الأول فلا وجود له (حتى حين يحسُب يبدأ دائماً بالرقم (2)، ولا ينطق (1) أبداً، لم يستقبل ضيفاً في حياته سواي، أنا استثناء، (دعوني أتذكر هل زرته يوماً.. لستُ أدري، فهلوساتي الكثيرة تجعلني أحس أني أعرف كل الناس، هو واحد منهم، وأني زرتُ بيوتهم، وعرفتُ أسرارهم، ومهما سدوا أبوابهم، فإني أعرف كيف أدخلها، كنملة صغيرة أصبح، أتلصص عليهم من الثقوب)، ثم إن وجود طاولة في الوسط، في مساحة قصيرة، يلغي فكرة استقبال أكثر من ضيف واحد، قد شاركه الطعام يوماً ما، وحتى يجلس على الكرسي المجاور عليه أن يرفع الطاولة قليلا، بمزيد من الجهد، حتى يسعه ذلك، لم يفعل ذلك أحد غيري. هكذا تخيلتُ وأنا أصف لكم مطبخه، وأنا أجلس على كرسيه، لا ليس تخيلا، وإلا كيف أنقل لكم هذه التفاصيل، وبهذه الدقة؟
وسط المطبخ، يقف كمسمار، هادئ، لكنه حائر، ينظر تحت قدميه، عينه اليمنى مرسال للزوايا، واليسرى سفينة تحط على موج فضلات طعامه المتبقي من وجبة لم يعد يعلم متى تناولها، لم تغادر عيناه (المرسال، والسفينة) لا صغيرة ولا كبيرة في مطبخه، هل اطمأنّ؟، ألم يتغير شيء؟ هكذا بدت له الأشياء.. لا لحظة رجاء! هناك شيء أرقه، بل شغله.. قبل أن يخرج كان عدد الصراصير المقتولة تسعة عشرة (تركها مجتمعة حين عدّها، وللدقة أسر لكم بشيء، هو ضعيف في الحساب، فلا تأخذوا هذا العدد مأخذ الجد)، وهي الآن حسب ما يرى موزعة إلى مجموعات أربعة، موضوعة بعناية في أمكنة مختلفة، وما تعجب له ليس هذا التوزيع الغريب، بل كيف تمكن منْ فعل ذلك (ليس هو ولا أنا) بأن يجعل واحدة من المجموعات في سقف المطبخ، مركونة بمادة لاصقة، في الأغلب هيUhu، سيتأكد من ذلك حين فحص هذه المُنتج العجيب، والذي اشتراه خصيصاً لجريمته الثانية، هي اصطياد فأر، ثم قتله بعد ذلك.. العلبة كانت فارغة تماماً، عصرها المُستعمِل عصراً، وهو يلصق أربعة صرصورات في السقف بعناية فائقة، شكلت لوحة جميلة فوقه دون إطار… لا نأمة صدرت عنه، فقط ظل صامتاً ينظر للسقف، وهو يضع يديه فوق رأسه، كمن يحميه، ويخاف أن يغادر جسده، وينضم للصراصير فوق؛ ترك يديْه تعصر رأسه، عيناه فقط تنتقلان بين السقف، وأرضية المطبخ، ظل على هذه الصورة مدة، كنتُ أنا خلالها أتفرج عليه، والصراصير المعلقة تسخر منه.
وفق برامج يومه كان يود أن يهيئ لجريمته الثانية (قتل فأر)، لكن أحداً، في غيابه، هجم على داره، وبعثر مطبخه، بل وتصرف في جثث قتلاه، ومثّل بها، هذا تحدٍ خطير، ويظهر أنه مغامر، يجهل أن البيت الذي اقتحمه، إنما هو لقاتل خطير، وعلى طريقته.
جلب حاسوبه الذكي، يبحث عن فيلم “إيكو” لهتشكوك، (الفيلم الذي شاهدناه معاً في بيته)، يعيد مشاهدته، لسبب لا يدريه، بل لعله يدريه، فهذه طريقته كلما حار في أمر يشغله، لا تنقذه، عندئذ، غير السينما، وتحديداً أفلام هتشكوك.. مجرد مشاهدة فيلم له يتحرر من ألم داخلي، مهما كان سببه، يتحرر وجدانياً، تماماً.. هو قاتل، وهيتشكوك راعي القتلة.
(…)
في آخر ورقة من يومياته أقرأ:
حين أيقنت بأن هناك من يترصدني، أصبحتْ ليالي نابغية، لا أنام، أبحاثي لم تجدِ في شيء، ولم أهتدِ للمجرم الذي هجم على بيتي، وبعثر جثث الصراصير التي سحقت.. عكر صفوي، وصرفني عن التفكير في جريمتي الثانية (قتل فأر).. في بيتي فئران كثيرة، وحتى إن كنتُ أغتاظ منها، وأخشاها، فقد كانت تؤنس وحدتي، ومع ذلك كان لا بد من مواصلة جرائمي، أنا قاتل متسلسل مثل “جاك السفاح”.
الغريب أن فئران بيتي غابت هي الأخرى، هجرتني كما الرقم “1”، بيتي، بدونها، صار هادئاً، إلا من نمل كثير، كثير جداً، يعشعش في رأسي، يتراقص في مخي، ينهشني، وأحس بتموجاته اللّولبية، أحك فروة رأسي وأطلق صرخات لا أظن أن جيراني لم يسمعوها.. أصبحتُ هدفاً لكل الأعداء، في الداخل والخارج.
أسمع طرقات على باب بيتي، تجاهلتها، فلا أحد يزورني البتة، لكنها عادت قوية أكثر من(الأول)، (وددت لو أغير كلمة “الأول” هنا، لكنها تبدو مناسبة جداً)، أفتح بابي، وإذا بي وجهاً لوجه مع مباحث شرطة بزيهم الرسمي، إلى جانبهم سائق التاكسي بوجه مكدر مثل حذاء مقلوب، أشار إليّ ، وصرخ بحدة: “هو ذا القاتل “.

