جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حزب المصباح تحت المجهر .. هل سيبقى يضيء ما حوله ام سينكسر

0 46

شرعت هيئة التحرير لــ “أصداء مغربية” في نشر سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “زعماء تحت المجهر”. تهدف هذه السلسلة إلى تسليط الضوء على الشخصيات القيادية (الأمناء العامون والكتاب العامون) للأحزاب المغربية، من خلال قراءة متأنية في مساراتهم الأكاديمية ومستوياتهم الثقافية التي شكلت وعيهم السياسي. كما ستغوص السلسلة في الذاكرة الحزبية لكل تنظيم، مستحضرةً ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المواطن: ماذا قدم هذا الزعيم وحزبه خلال تقلد المسؤولية الحكومية؟ إنها محاولة مهنية من “أصداء مغربية” لتقديم مادة إعلامية رصينة تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية، مع تأكيدنا التام على عدم الانحياز لأي طرف، واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد ليتضح لهم الخلل ومكامن ضعف التسيير والمشاكل بكل وضوح.

الحلقة الخامسة : حزب العدالة والتنمية 

حزب العدالة والتنمية هو أحد أبرز الأحزاب المغربية الحديثة، إذ تأسس في منتصف التسعينيات على قاعدة الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي كان يقودها الدكتور عبد الكريم الخطيب، قبل أن يتحول سنة 1998 إلى حزب العدالة والتنمية بصيغته الحالية. منذ البداية، حمل الحزب مشروعاً سياسياً يقوم على المرجعية الإسلامية المعتدلة، مع التركيز على الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد، والدفاع عن الديمقراطية في إطار الثوابت الوطنية والملكية الدستورية.
علاقته بالقصر اتسمت بالتوازن والبراغماتية؛ فقد شارك في الحياة السياسية بشكل تدريجي، إلى أن قاد الحكومة لأول مرة بعد انتخابات 2011 في سياق الربيع العربي، حيث تولى عبد الإله بنكيران رئاسة الحكومة، ثم خلفه سعد الدين العثماني بعد انتخابات 2016. خلال هذه المرحلة، كان الحزب في موقع قيادة السلطة التنفيذية، لكنه ظل ملتزماً بالتعاون مع المؤسسة الملكية، باعتبارها الضامن للاستقرار ووحدة الوطن.
في البرلمان، كان الحزب القوة الأولى لولايتين متتاليتين، قبل أن يتراجع بشكل كبير في انتخابات 2021، حيث فقد معظم مقاعده وعاد إلى المعارضة. هذا التراجع يعكس صعوبة التوفيق بين الخطاب الإصلاحي والواقع الحكومي، لكنه لم يمنع الحزب من الاستمرار كفاعل سياسي له قاعدة جماهيرية، خصوصاً في المدن الكبرى وبين فئات الشباب المتدينين والطبقة الوسطى.
برنامجه المستقبلي يركز على استعادة الثقة الشعبية عبر العودة إلى مبادئه الأصلية: محاربة الفساد، تعزيز العدالة الاجتماعية، الدفاع عن الهوية الإسلامية المعتدلة، وتوسيع المشاركة الديمقراطية. كما يسعى إلى تجديد خطابه السياسي، وإعادة بناء تنظيمه الداخلي بعد الهزة الانتخابية الأخيرة، مع التركيز على تكوين نخب جديدة قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية.
أما على مستوى التمثيليات، فقد كان للحزب حضور قوي في المجالس الجماعية والجهوية خلال العقد الماضي، لكنه تراجع بشكل ملحوظ بعد انتخابات 2021. ومع ذلك، يظل الحزب محتفظاً ببعض قواعده في المدن الكبرى مثل الرباط، الدار البيضاء، وفاس، حيث يستمر في لعب دور المعارضة البرلمانية والترافع عن قضايا الإصلاح.
زعماء الحزب الذين مروا منه يمثلون مراحل مختلفة من مساره: الدكتور عبد الكريم الخطيب كمؤسس وراعي التحول نحو العدالة والتنمية، ثم عبد الإله بنكيران الذي قاد الحزب إلى رئاسة الحكومة لأول مرة، وسعد الدين العثماني الذي تولى القيادة في مرحلة ثانية، وأخيراً عبد الله بوانو وإدريس الأزمي الإدريسي وغيرهم ممن يمثلون الجيل الحالي في المعارضة.
باختصار، حزب العدالة والتنمية هو حزب ذو مرجعية إسلامية معتدلة، عاش تجربة الحكم لولايتين متتاليتين، ثم عاد إلى المعارضة بعد تراجع انتخابي كبير، لكنه يواصل اليوم إعادة بناء نفسه وبرنامجه المستقبلي على قاعدة الإصلاح والهوية الوطنية.
المراة داخل حزب العدالة والتنمية، أو ما يُعرف بـ المراة “الدالية” نسبة إلى رمز الحزب (المصباح)، كانت دائماً جزءاً من مشروعه الإصلاحي منذ بداياته. حضورها لم يكن شكلياً، بل ارتبط بالفعل السياسي والتأطير المجتمعي، حيث لعبت دوراً أساسياً في الدفاع عن قضايا الأسرة، التعليم، والعدالة الاجتماعية، إلى جانب المشاركة في المؤسسات المنتخبة.
منذ مرحلة التأسيس، حرص الحزب على إشراك النساء في هياكله التنظيمية، فبرزت أسماء مثل بسيمة الحقاوي التي تولت وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، وآمنة ماء العينين التي كانت صوتاً قوياً في البرلمان، إضافة إلى وجوه أخرى ساهمت في النقاش العمومي حول قضايا الهوية، الحريات، والعدالة الاجتماعية. هذا الحضور النسائي أعطى للحزب صورة الانفتاح على الكفاءات النسائية، رغم الانتقادات التي وُجهت له أحياناً بخصوص محدودية تمكين المرأة داخل هياكله مقارنة بحجم خطابه الإصلاحي.
اليوم، ومع تراجع الحزب انتخابياً بعد 2021، يظل ملف المرأة جزءاً من برنامجه المستقبلي، حيث يسعى إلى:
تعزيز مشاركة النساء في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة، عبر تكوين نخب جديدة قادرة على مواكبة التحولات.
الدفاع عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية للنساء، خاصة في العالم القروي والمناطق المهمشة.
الاستمرار في معالجة قضايا الأسرة والطفولة من منظور إصلاحي يوازن بين المرجعية الإسلامية المعتدلة ومتطلبات العصر.
توسيع قاعدة النساء داخل الحزب، باعتبار أن إشراكهن هو جزء من إعادة بناء الثقة الشعبية بعد التراجع الانتخابي.
باختصار، المراة “الدالية” في حزب العدالة والتنمية جسدت على مدى عقدين صورة المشاركة الفاعلة في العمل السياسي والاجتماعي، وأسهمت في جعل الحزب أكثر التصاقاً بقضايا المجتمع. وبرنامجه المستقبلي يضعها في قلب مشروعه الإصلاحي، باعتبارها ركيزة أساسية في تجديد النخب واستعادة الثقة الشعبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!