بالغ من العمر عتيا.. طاعن في السن .. فئة العمر الذهبي .. البركة الخفية ..ذوو التجارب الجلية… تعددت الألقاب و الاسماء و المسمى واحد .. تعددت الاوصاف و الموصوف واحد ، إنهم المسنات و المسنون او كبار السن الذين يحتفل بهم عالميا ، في مثل اليوم ، فاتح اكتوبر ، من كل سنة.. حتى لو لم نكن اليوم مسنين ، اكيد كلنا مشروع مسن (ة) ، و تلكم سنة الله في خلقه.. ذات مرة ٱلتقى شاب بشيخ منحني الظهر ، متكئا على عكازه ، فساله ساخرا: ” بكم القوس يا عمي؟!”، فأجابه الشيخ بتقاسيم وجه ينم عن ٱنكسار القلب: ” سياتي يوم يا ولدي تحصل فيه عليه مجانا..!” نعم ما احوجنا ان نعود لقيم ٱحترام الصغير للكبير ، خاصة كبار السن و معاملتهم بوقار و إكبار ، و ليس بآذان فيها وقر ؟؟! إنهم أحوج من أطفالنا إلى التدليل ، و الاسترضاء ، و العاطفة ، والحنان ، والرفق ، والرحمة ، والصبر ، والسهر ، والتضحية ، و أساسا الإحترام .. و المعروف عن كبار السن ان الكلمة التي كانت لا تريحهم حال قوتهم ، الآن تجرحهم و تمس من كبرياءهم ، و التي كانت تجرحهم الآن تدمرهم .. فلنختر بلباقة و أناقة كلماتنا في تواصلنا و حديثنا معهم .. كبار السن فقدوا الكثير من حيوية الشباب وعافية الجسد و رونق الشكل ومجد المنصب ، فاصبحوا يعيشون على انقاض ما حققوه في ماضيهم ، لانه كل ما تبقى في رصيد مستقبلهم … كبار السن ، سوادهم الاعظم فقدوا والديهم و فقدوا كثيراً من رفقائهم ، ما يجعل قلوبهم جريحة ونفوسهم كسيحة ، مطوية على الكثير من الأحزان قابعة في الاوجاع ، مفعمة بنوستالجيا، لفها الإشتياق لحياة الماضي و ذكرياتها التي يعدونها من الزمن الجميل ، الذي تقبع ذكرياته في ركن من دهاليز الذاكرة المتآكلة المصابة بتعرية الخرف نتيجة مرض الزهايمر .. لذلك و من اجل ذلك يسكنهم ، بشوق احر من الجمر ، الحنين ، هذه الكلمة التي تعني في أعمق معانيها البحث عن قطعة من الروح في مكان بعيد عن الذات… حقا لكم اعجبني بعضهم حين قال في حق كبار السن إنهم : ” لم يعودوا محور البيوت وبؤرة العائلة كما كانوا قبل ، فانتبه ولا تكن من الحمقى فتشقى !! كبار السن قد يرقدون ولا ينامون ، وقد يأكلون و لا يهضمون ، و قد يضحكون ، ولا يفرحون ، و قد يوارون دمعتهم تحت بسمتهم ..كبار السن يؤلمهم بُعدُنا عنهم ، وانصرافُنا من جوارهم ، واشتغالُنا بهواتفنا في حضرتهم ..كبار السن يحتاجون من يسمع لحديثهم ، ويأنس لكلامهم ، ويبدو سعيداً بوجودهم ..كبار السن أولى و احق من الأطفال بمراعاتهم و الحنان عليهم و الإحساس بهم …” نعم ، و لا ننسى ايضا ان كبار السن في ٱحتياجاتهم لا يكفيهم فقط توفير الطعام و الشراب والملبس و الدواء و الحفاظات الكبيرة و الكراسي المتحركة ، على اهميتها ، لأن هناك ما هو اهم لهم من ذلك بكثير ؛ رعايتهم بصدق و دون النظر إليهم بعين الشفقة ، و الاعتراف بعطائهم و تضحياتهم الجسام و مهامهم العظام… علينا ان نشعرهم بان رعايتنا لهم هي دَيْن علينا ، نظير ما اسدوه لصالحنا.. فما أحوج كبار السن إلى بسمة مشرقة صادقة تنبع من اعماق قلوبنا ، ننثر عطرها الفواح على جوههم ، و ما احوجهم لكلمةٍ جميلة تطرق آذانهم ، و يداً حانية تمتد لأفواههم ، وعقلاً لا يضيق برؤاهم ، و اُذنا صاغية لحكايات ماضيهم ، دون تافف منها و لا من سلوكات منهم ، مهما بدت مقززة و مستفزة .. كبار السن لديهم فراغ قاتل و ملل شامل يحتاج لمن تتوفر فيهم صفة الصبر الجميل ، و إلى عقلاء رحماء يملؤونه املا و تفاؤلا و تواصلا و تفاعلا.. و لان كبار السن هم قريبون من الله فدعاؤهم أقرب للقبول و مستجاب ، و لذلك يطلق عليهم ” بركة البيوت” !فٱغتنم قبل نفاذ الرصيد ..و ليكن شعارنا: ” جميعا من اجل كرامة المسنين “، طيلة أيام السنة.. و علينا في اليوم الاممي لكبار السن ، فاتح اكتوبر ، من كل سنة ، و غيره من سائر الايام ،ان نقف بكل احترام وتقدير و إجلال أمام جيل منحَ حياتَهُ و نذرها في سبيل بناء مستقبلنا. إنّ كبار السن هم جواهر مجتمعاتنا ، يحملون في قلوبهم وحياتهم خبرات طويلة و قصصاً غنية بالعطاء والصبر . حقا و صدقا لكم هو مخطئ و واهم من يعتقد جازما ان تاريخ صلاحيتهم ٱنتهت و ان كبار السن هم مجرد أفراد تقدم بهم العمر، بل هم كنزٌ من الحكمة و التجارب التي ينبغي لنا أن نعتز بها و اكثر من ذلك ان نستثمرها ، و لنا في تجربة الكنديين خير مثال .. كبار السن هم من علّمونا معنى الحياة ، وصنعوا طرقًا نسير عليها ، اليوم ، رسموا لنا معالمها و حددوا افقها. في هذا اليوم ، و في غيره ،لم يد من المقبول و لا من المعقول ، ان ننظر إليهم على انهم عبء بل تعبئة روحية و شحنة نفسية لنا في بيوتنا .. يجب أن نتذكر ضرورة رد الجميل لهم ” و بلا جميل” ، كما نقول في لساننا المغربي الدارج ، وأن نوفر لهم الرعاية و نعاملهم بالاحترام المطلوب و المفروض الذي يستحقونه .. إن وجودهم بيننا هو بركة و ربح و ٱعتزاز ، وحديثهم دروس نستنير بها. فدعونا نحرص على الاهتمام بهم ، ونقدر تضحياتهم ، و نستمع بشغف و شوق إلى حكاياتهم ، و لو تكرر لنامنهم لمرات عديدة في اليوم الواحد ، لان حكاياتهم تُعيدُ إلينا القيم الرفيعة الأصيلة و تغرس في نفوسنا المبادئ السامية النييلة. يومهم الكوني ليس مجرد يوم احتفال ، و ذكرى عابرة ، بل هو تذكيرٌ بواجبنا المتواصل تجاههم ، واعترافٌ بمكانتهم العظيمة في قلوبنا و مجتمعاتنا . صحيح لقد شاب شعورهم ويبست مشاعرهم ، و تكلست مفاصلهم ، و ثقلت مشيتهم و لسانهم و أصبحت شاحبة سحنة بشرة وجوههم ، و ضمرت عضلاتهم و ترهلت اجسامهم و تقزمت احجامهم و قل منسوب طموحهم ، لكن قيمتهم و وضعهم الإعتباري سيبقى خالدا و مجيدا .. إن دور المجتمع برمته ان يجعلهم يعيشون أياماً سعيدة ، ولياليَ مشرقة ويختمون كتاب حياتهم بصفحات ماتعة من البر و العافية و الإحسان والسعادة ، حتى إذا خلا منهم المكان لا نصبح من النادمين. نعم احبتي الكرام الاماجد كلنا في قاعة الانتظار ، و لا محالة سياتي دور كل واحد منا ، فانظروا ، يا رعاكم الله ، ما أنتم صانعون و ما أنتم زارعون ! فسلامٌ على كبارِ السن ، و سلامٌ على من يراعون كبارَ السن ، لانهم امانة في اعماقنا و خدمتهم واجب شرعي و فرض اخلاقي و نبل مروءة . و ختاما لنتذكر المثل الافريقي الشهير:” موت شيخ يساوي ٱحتراق مكتبة” ، و قد كان الشاعر السينغالي الكبير و رئيس الدولة السابق ليوبولد سيدار سانغور يردده كثيرا .
التعليقات مغلقة.