بقلم: مولاي عبد العزيز الشلح // طرابلس ليبيا تفرض الأحداث الأخيرة والمتكررة المتصلة بمحاولات التدفق الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية السليبتين والمحتلتين إعادة قراءة المشهد برؤية هادئة تشتبك فيها الجيوسياسة، والأمن، والأبعاد الإنسانية. وإننا، من موقعنا كمواطنين مغاربة نتابع قضايا الوطن بعين الفخر والاعتزاز بمؤسساته، نؤكد أولاً وقبل كل شيء على الشرعية التاريخية والوطنية لسبتة ومليلية المحتلتين، ونرى أن ما جرى ويجري هناك لا يمكن اختزاله في مجرد “أزمة حدود”، بل هو اختبار حقيقي لمدى نجاعة الشراكات الإقليمية والدولية في التعاطي مع إحدى أكبر التحديات العابرة للقارات: ظاهرة الهجرة غير النظامية. ولطالما أثبتت الوقائع الميدانية، بشهادة إسبانيا نفسها وبشهادة المراقبين الدوليين، أن المملكة المغربية تظل الشريك الأكثر مصداقية والدرع الأساسي لاستقرار المنطقة. وفي الوقت الذي تسعى فيه بعض الأطراف الخارجية لتوظيف ملف الهجرة في سياق السجالات السياسية الداخلية، يبرز الموقف الثابت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي طالما كان ولا يزال حليفاً وصديقاً كبيراً للمملكة المغربية؛ داثراً ومؤكداً للسيادة المغربية وشراكتها الاستراتيجية التاريخية مع واشنطن، ومثمّناً لجهود الرباط كركيزة أساسية للأمن والإقليم. وفي مقابل ذلك، كانت السلطات المغربية تتعامل برصانة واقتدار، واضعةً نصب أعينها التوفيق بين احترام حقوق الإنسان والتصدي الصارم لشبكات الجريمة المنظمة والإتجار بالبشر. إن الموقف الرسمي لوزارة الداخلية والسلطات المغربية كان ولا يزال واضحاً وجريئاً: المغرب يحمي حدوده ويمارس سيادته كاملة، وهو حارس لأمنه القومي أولاً، ولا يمكن أن يُختزل دوره في القيام بوظيفة “دركي المنطقة” لحساب أطراف أخرى. لقد أظهر التنسيق الأمني المغربي-الإسباني درجة عالية من الاحترافية والمسؤولية، حيث نجحت السلطات المغربية في احتواء كبرى المخططات التي تحركها عصابات التهريب عبر المنصات الرقمية نحو حدود المدينتين المغاربيتين المحتلتين، مما تجنبت معه المنطقة كارثة إنسانية وأمنية أكبر. وعلى الجانب الآخر، فإن تصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي حول “حماية الحدود الخارجية لشنغن” تظل قاصرة ما لم تقترن بتغيير جذري في الفلسفة الأوروبية للهجرة. إن الاقتصار على الحلول الأمنية وسياجات الشوك والبناء العسكري حول سبتة ومليلية المغاربيتين الواقعتين تحت الاحتلال الإسباني، لن يوقف نزيف الهجرة ما لم تتجه أوروبا إلى شراكة تنموية واضحة وحقيقية مع دول الجنوب، ترتكز على الاستثمار في الشباب وفي اقتصاديات الدول الأفريقية. ختاماً، أستنتج كمواطن مغربي يرصد قضايا بلاده بثقة وثبات، أن المملكة المغربية تقدم اليوم للعالم نموذجاً في تسيير الأزمات المعقدة؛ نموذجاً يجمع بين الحزم الأمني ضد عصابات الإتجار بالبشر، والالتزام بالاتفاقيات الدبلوماسية، مع التمسك المبدئي بحقوق الوطن التاريخية. إن استقرار المنطقة والأمن الأوروبي سيبقى رهيناً بمقدار ما تستوعبه أوروبا من أن المغرب شريك استراتيجي نديد في السلم والتنمية، وليس مجرد حارس لحدود الآخرين.