جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة
فوق الصفحة

سبتة ومليلية بين جذور الاستعمار الإسباني والحق المغربي: ملف الهجرة ورهانات الأمن الأوروبي

0 17

تعيش العلاقات الإسبانية المغاربية والأوروبية لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الطاقة، السيادة الحدودية، وسياسات الهجرة، لتضع حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في قلب عاصفة سياسية داخلية وإقليمية.

تجلت بداية هذه التحركات الحالية في زيارة العمل الرسمية التي قام بها بيدرو سانشيز إلى الجزائر ولقائه بالرئيس عبد المجيد تبون، وهي الزيارة التي هدفت بالأساس إلى طي صفحة الأزمة الدبلوماسية الحادة التي استمرت لنحو أربع سنوات عقب الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية عام 2022. أفضت المباحثات الجزائرية الإسبانية إلى الاتفاق على إعطاء دفع جديد لشراكة استراتيجية وتنموية متعددة القطاعات. انصبت المعالم الرئيسية لهذه الشراكة على تأمين إمدادات الغاز الطبيعي عبر أنبوب “ميدغاز” المباشر الرابط بين بني صاف وألميرية دون أي وساطة برية أو المرور بأطراف ثالثة، مع فتح المجال لاستثمارات إسبانية جديدة في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، بالإضافة إلى تعزيز التنسيق الأمني والقضائي.
غير أن هذه المحاولة لإعادة التوازن الدبلوماسي بين الجارين المغاربيين سرعان ما اصطدمت بتداعيات ميدانية وسياسية معقدة على جبهة الحدود الجنوبية لإسبانيا. ففي أعقاب هذه التحركات وما يرافقها من تدفقات للهجرة غير النظامية نحو جزر الملاحة والمعابر الحدودية، وخصوصاً في مدينتي سبتة ومليلية اللتين تعتبرهما مدريد أراضٍ خاضعة لسيادتها الوطنية والحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بينما يراهما المغرب أراضٍ مغربية سلبية ومدينة محتلة وجزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني، اشتعل الهجوم السياس والإعلامي على حكومة سانشيز من الداخل والخارج.

تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين في قلب العاصفة

لم يأتِ هذا الهجوم من الفراغ، بل كان نتاجاً لتراكم سياسات إسبانية أثارت جدلاً واسعاً، وفي مقدمتها حزمة التسهيلات والمبادرات التي طرحتها حكومة سانشيز لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين ودمجهم في سوق العمل والضمان الاجتماعي. هذه الخطوة، وإن صُوِّرت محلياً كضرورة اقتصادية لدعم قطاعات الزراعة والبناء والخدمات، وُجهت بانتقادات حادة داخل العواصم الأوروبية التي رأت فيها إضعافاً للمنظومة الأمنية لحيّز “شنغن”.

تفاوتت مواقف الدول الأوروبية تجاه هذه التطورات والإجراءات الإسبانية بشكل أظهر انقساماً عميقاً داخل الاتحاد حول كيفية إدارة الحدود والمغادرة واللجوء. فقد قادت دول ذات توجهات محافظَة وحكومات يمين يورومتوسطية، مثل إيطاليا وبعض دول شرق أوروبا، هجوماً لاذعاً على مدريد؛ إذ اعتبرت أن خطط التسوية والتساهل في المعابر الحدودية يخلقان ما يُعرف بـ “تأثير السحب”، مما يشجع شبكات تهريب البشر على توجيه موجات جديدة من المهاجرين نحو الأراضي الأوروبية. ووصل الأمر ببعض العواصم إلى التلويح بإعادة فرض الرقابة المؤقتة على الحدود الداخلية أو حتى التشكيك في نجاعة استمرار إسبانيا ضمن قواعد التنقل الحر بلا تأشيرة، متهمين حكومة سانشيز بتقديم المصالح الحزبية والتسويات السياسية على حساب أمن الحدود الخارجية للتكتل.

في المقابل، تبنت مفوضية الاتحاد الأوروبي وبعض القوى الرئاسية مواقف أكثر ميلاً للتهدئة وإن كانت لم تخْلُ من التنبيه؛ حيث أكدت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين على ضرورة دعم التنسيق مع دول العبور وتحديداً المملكة المغربية كشريك استراتيجي رئيسي في مكافحة تهريب البشر وإدارة الحدود، مع تقديم دعم مالي وتقني إضافي لمراقبة المعابر البحرية والبرية. أما الصوت الإسباني، فقد رد بحزم رفيع المستوى على هذه الانتقادات الخارجية، متهماً بعض الشركاء الأوروبيين بغياب التضامن والوقوع في فخ الأخبار الزائفة والمصالح السياسية الضيقة، ومؤكداً أن إسبانيا تحمي حدوداً أوروبية مشتركة وتلتزم بالقوانين الدولية والأنظمة القضائية التي تفرض معايير محددة لعمليات الإعادة والترحيل عند الحدود.

تؤكد هذه اللوحة السياسية المعقدة أن ملف سبتة ومليلية والتوازنات مع الجزائر والمغرب ليس مجرد نزاع إقليمي ثنائي، بل هو جزء من تجاذب أوروبي أوسع حول كيفية التعامل مع تحديات الطاقة، والهجرة، والسيادة، حيث يجد بيدرو سانشيز نفسه في مواجهة دائمة لضمان الطاقة والاستقرار السياسي من جهة، والدفاع عن خياراته أمام هجوم المعارضة الداخلية وانتقادات الحلفاء الأوروبيين من جهة أخرى.

كيف تتعامل الدول الاوروبية مع ملف سبتة ومليلية
تتعامل المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء في الوقت الراهن مع ملف سبتة ومليلية من منظور أمني واستراتيجي متكامل، يبتعد عن التفاصيل التاريخية للخلاف ليضع المدينتين في موقع الحدود البرية الخارجية المباشرة للاتحاد الأوروبي بأكمله وليس فقط لإسبانيا.
ينصب التركيز الأوروبي الحالي على حماية حدود فضاء “شنغن” وتجنب تسرب موجات المهاجرين غير النظاميين من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو عمق القارة، وهو ما يجعل عواصم تتبع نهجاً متشدداً في ملف الهجرة (مثل روما وباريس وبعض حكومات شرق أوروبا) تضغط باتجاه فرض آليات رقابة صارمة، وتعتبر أي اختراق أو تساهل عند حدود سبتة ومليلية تهديداً لخاصرة التكتل الأمنية.
في الوقت ذاته، تدرك المفوضية الأوروبية أن الاستقرار الميداني على هذه الحدود لا يمكن فصله عن الشراكة الأمنية والتنسيق المباشر مع المغرب، وتفضل غالبية العواصم الأوروبية دعم مقاربة تجمع بين مساندة مدريد بالوسائل التقنية عبر وكالة “فرونتكس”، وضخ استثمارات ودعم مالي للرباط لإدارة حركة الحدود ومكافحة شبكات التهريب.
كما تتجنب القوى الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي الخوض في نزاعات السيادة الثنائية، ملقيةً بالثقل على ضرورة الحفاظ على التهدئة والاستقرار الإقليمي في حوض البحر الأبيض المتوسط، لضمان استمرار تدفقات الطاقة والتجارة بمرونة ودون هزات سياسية جديدة.
هل دول تشينكن تعترف بمغربية سبتة ومليلية
لا تعترف الدول الأوروبية بمغربية سبتة ومليلية على الإطلاق، بل تتعامل معهما رسمياً وقانونياً كأراضٍ خاضعة للسيادة الإسبانية وجزء لا يتجزأ من تراب الاتحاد الأوروبي.
يعود هذا الموقف الأوروبي إلى عدة عوامل رئيسية:
تعتبر المعاهدات التأسيسية للاتحاد الأوروبي سبتة ومليلية أراضٍ تابعة لدولة عضو وهي إسبانيا، وقد انضمتا تلقائياً إلى التكتل الأوروبي منذ انضمام مدريد عام 1986. وبناءً على ذلك، يطبق الاتحاد مبدأ حماية السلامة الاقليمية لدوله الأعضاء، ويعتبر الحدود البرية للمدينتين هي الحدود الجنوبية الرسمية للاتحاد الأوروبي وفضاء “شنغن”.
تتجنب العواصم الأوروبية تأييد الطرح المغربي الداعي للسيادة على المدينتين، حيث ترى بروكسل وباقي الحكومات الأوروبية أن فتح هذا الملف سيمس بسيادة دولة عضو، وهو خط أحمر في القانون التأسيسي للاتحاد. لذلك، تشير كافة البيانات والمؤسسات الأوروبية دائماً إلى المدينتين باعتبارهما “مدينتين إسبانيتين ذاتيتي الحكم”، وتدعم إسبانيا مالياً وأمنياً للحفاظ على أمنهما ومعابرهما الحدودية.

اللقاء الذي افاض الكأس

أثار هذا اللقاء موجة واسعة من الجدل والتجاذبات السياسية والإعلامية، واعتُبر نقطة تحول أدت إلى انفجار الأزمة والتراشق السياسي لعدة أسباب رئيسية:
كان اللقاء بمثابة الإعلان الرسمي عن إسدال الستار على الأزمة الدبلوماسية الحادة بين مدريد والجزائر، والتي استمرت لأكثر من أربع سنوات منذ أعلنت إسبانيا عام 2022 دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء. تم في هذا اللقاء إعادة تفعيل “معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون”، والتوقيع على اتفاقيات طاقوية واقتصادية ضخمة، وهو ما اعتبرته المعارضة الإسبانية وأطراف إقليمية تغييراً جديداً في بوصلة التوازنات دون قراءة عواقبها الدبلوماسية الدقيقة.
شهد اللقاء مظاهر احتفالية لافتة، من بينها احتفال الرئيس الجزائري مع سانشيز بتتويج منتخب إسبانيا بكأس العالم وتقطيع قالب حلوى بقصر المرادية، وهو المشهد الذي استغلته أحزاب المعارضة الإسبانية (مثل الحزب الشعبي وحزب فوكس) للهجوم الحاد على سانشيز، واصفين اللقاء بأنه “استعراض سياسي” أضر بعلاقات إسبانيا وحلفائها في المنطقة وأظهر مدريد بمظهر المتذبذب في سياستها الخارجية.
جاء اللقاء قبل أيام قليلة من اندلاع أكبر موجة تدفق للهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة في 30 يوليوز 2026. وربطت تقارير إعلامية وسياسيون إسبان ومغاربة بين إعادة دفء العلاقات الجزائرية الإسبانية وبين حالة الانزعاج والتصعيد السياسي والميداني في ملف الحدود؛ حيث اضطرت وزارة الخارجية الإسبانية (على لسان وزيرها خوسيه مانويل ألباريس) للتدخل سريعاً والتأكيد علناً أن “التقارب مع الجزائر لن يكون على حساب العلاقات الاستراتيجية مع المغرب”.
اعتبرت دوائر إسبانية المعارضة أن سانشيز، بسعيه للحصول على مكاسب طاقوية واقتصادية سريعة من الجزائر، فتح على إسبانيا جبهة أزمات جديدة على حدودها الجنوبية، مما أجبره لاحقاً تحت ضغط الانتقادات على التوجه بنفسه إلى سبتة والتعامل مع تداعيات الأزمة الأكبر على حدود بلاده.

المغرب لن يكون حارساً لشرطي أوروبا

تُجسد مقولة «المغرب لن يكون حارساً على أبواب أوروبا» عقيدة دبلوماسية واستراتيجية صريحة تتبناها المملكة المغربية في إدارة ملف الحدود والهجرة مع الشريك الأوروبي. يرفض المغرب من خلال هذا الموقف الحازم اختزال دوره الإقليمي في مجرد دركي أو خط دفاع أمني يتحمل بمفرده الأعباء المادية والإنسانية واللوجستية الثقيلة لمنع تدفقات المهاجرين قادمين من دول جنوب الصحراء نحو القارة العجوز.

وتصر الرباط على أن التعامل مع ظاهرة الهجرة يجب أن ينطلق من مبدأ “المسؤولية المشتركة” والمعالجة التنموية الشاملة للجذور الاقتصادية والاجتماعية في دول المصدر، بدلاً من إلقاء الثقل الأمني كاملاً على دول العبور أو الرهان على مقاربات أمنية ضيقة وحلول ترقيعية.

كما تحمل هذه الرسالة بعداً سيادياً يوضح للاتحاد الأوروبي ومدريد أن التنسيق الأمني وحماية الشريط الحدودي على تماس سبتة ومليلية هو خيار استراتيجي يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وليس وظيفة تُملى على المغرب لحماية الأمن الأوروبي، مما يعني أنه في حال نكوص الشركاء عن التزاماتهم أو مساسهم بمصالح المملكة العليا، فإن المغرب غير ملزم باستنزاف طاقاته ليكون حارساً ل حدود الآخرين.

خلاصة القول، تعيش إسبانيا تحت قيادة بيدرو سانشيز محاولة موازنة معقدة وشديدة الحساسية بين الجزائر والمغرب؛ حيث تسعى مدريد لتأمين استقرارها الطاقوي واقتصادها عبر بوابة الجزائر، بينما تظل رهينة الحاجة الماسة للتنسيق الأمني والاستراتيجي مع المغرب لضبط الهجرة وحماية حدودها.
وقد أدّى هذا التذبذب الدبلوماسي، بالتوازي مع قرارات تسوية أوضاع المهاجرين، إلى وضع إسبانيا في مرمى انتقادات حادة من المعارضة الداخلية ومخاوف جديّة من الاتحاد الأوروبي الذي يرى في سبتة ومليلية حدوداً أمنية سيادية للتكتل، في حين يستمر المغرب في التمسك بحقه التاريخي في المدينتين باعتبارهما ثغرين مستعمرين، مما يجعل أي حركة سياسية في المنطقة محاطة بحقل ألغام إقليمي وأوروبي.

تحليل أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!