جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

ليبيا تتنفس ثورة عمر المختار في ذكرى استشهاده

0 9

تستحضر دولة ليبيا الشقيقة ذكرى رحيل رمزها الوطني وقائد مقاومتها التاريخي، الشيخ المجاهد عمر المختار، في مناسبة وطنية مجيدة تجسد أسمى معاني الفداء والوفاء. يشكل هذا اليوم محطة سنوية يقف فيها الشعب الليبي الشقيق، والأمة العربية والإسلامية قاطبة، إجلالاً لسيرة “أسد الصحراء” الذي خط بدائه ودفاعه المستميت عن أرضه ملحمة تاريخية ضد الاستعمار الإيطالي، ليغدو اسمه عنوانا للكرامة الوطنية ورمزاً لمقاومة الظلم.
إن احتفاء ليبيا بهذه الذكرى العطرة ليس مجرد استرجاع لأحداث الماضي، بل هو تجديد للعهد مع المبادئ والقيم الراسخة التي أورثها المختار لأجيال المتعاقبة. تعكس الفعاليات الرسمية والشعبية التي تقام في مختلف المدن الليبية عمق اعتزاز الأشقاء بتاريخهم النضالي، واستلهامهم من ثبات الشيخ الجليل دروس العزيمة والوحدة في بناء الحاضر وصياغة المستقبل، ليظل عمر المختار منارة تهتدي بها الأجيال في حب الوطن والتضحية من أجل سيادته
رحلة “أسد الصحراء” عمر المختار ليست مجرد حكاية تاريخية تروى في المناسبات، بل هي درس متجدد في كيفية تحول العقيدة والوعي إلى قوة عاتية تقهر الفوارق المادية المداهنين لها. إن الوقوف أمام سيرته يضعنا أمام رجل استطاع أن يجمع بين رقّة طالب العلم والمربي في الزوايا السنوسية، وبين صلابة القائد العسكري الذي أربك جيوش الفاشية الإيطالية لأكثر من عقدين من الزمان.
بدأت هذه الشخصية الاستثنائية بتكوين روحي وعلمي متين في زاوية الجغبوب، حيث لم يقتصر تأهيله على الاستغراق في المتون وحفظ القرآن الكريم، بل تعداه ليكون مصلحا اجتماعيا يحل النزاعات ويقرب بين القبائل. هذا التأصيل الروحي، إلى جانب الخبرة الميدانية المبكرة التي اكتسبها في مواجهة الاستعمار الفرنسي في تشاد، هو ما جعل المختار متسلحا برؤية واضحة وشاملة لمفهوم المقاومة.
ولما وطئت أقدام الغزاة أرض ليبيا، تجلت عبقريته الميدانية من خلال إدارته لحرب العصابات في تضاريس الجبل الأخضر، فاستغل الطبيعة والجغرافيا ليصنع نظاما قتاليا مرنا اعتمد على المباغتة والسرعة، ومكّنه من مواجهة عتاد أحدث الآلات العسكرية في وقته. لقد عجز الإيطاليون عن حسم المعركة عسكريا، مما دفعهم إلى ارتكاب أبشع الجرائم عبر سياسة الأرض المحروقة وحفر المعتقلات الجماعية، لقطع الشريان الإنساني والمادي عن المجاهدين.
وحين جاءت لحظة الأسر، ظهر المختار بصورة أرعبت جلاديه، وثبت أمام محكمة صورية لم تزد إلا من طغيانه وضآلة جلاده. لم ينكسر القائد المسن ولم يداهن، بل كان جلده ووقاره أبلغ من أي خطابة. وإن إعدامه صبيحة ذلك اليوم أمام آلاف من أبناء شعبه لم يكن نهاية المسار، بل كان الولادة الحقيقية لرمزية استثنائية تجاوزت جغرافيا المكان وتاريخ الزمان.
لقد أثبتت كلماته الأخيرة ومواقفه الصلبة أن الحرية والكرامة ليست مجرد مطالب سريعة الزوال، بل هي عقيدة ورسالة تسلم من جيل إلى جيل. يظل الشيخ عمر المختار شاهدا على أن الشعوب المتمسكة بأرضها وإيمانها تستطيع أن تكتب خلودها بدمائها، وأن المبادئ الحقة تعلو دوما على حبال المشانق وسياط المستعمرين.

المصطفى بلقطيبية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!