جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حزب التقدم والاشتراكية تحت المجهر : من الجذور الشيوعية إلى رهانات الدولة الاجتماعية

0 188

تعلن هيئة التحرير لـ “أصداء مغربية” لقرائها الأوفياء، مع قرب الاستحقاقات المقبلة أنها شرعت في نشر سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “زعماء تحت المجهر”. تهدف هذه السلسلة إلى تسليط الضوء على الأحزاب المغربية، مستحضرةً ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المواطن: ماذا قدم هذا الزعيم وحزبه خلال تقلد المسؤولية الحكومية؟ إنها محاولة مهنية من “أصداء مغربية” لتقديم مادة إعلامية رصينة تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية، مع تأكيدنا التام على عدم الانحياز لأي طرف، واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد ليتضح لهم الخلل ومكامن ضعف التسيير والمشاكل بكل وضوح.

الحلقة الثالثة : حزب التقدم والاشتراكية

يظل حزب التقدم والاشتراكية كأحد أعرق الأحزاب اليسارية في المغرب، إذ يعود جذره إلى سنة 1943 حين تأسس باسم الحزب الشيوعي المغربي بقيادة علي يعته، قبل أن يتحول سنة 1969 إلى حزب التحرر والاشتراكية، ثم يُعترف به رسمياً سنة 1974 تحت اسم حزب التقدم والاشتراكية. هذا المسار يعكس قدرة الحزب على التكيّف مع التحولات السياسية والفكرية، حيث انتقل من المرجعية الشيوعية الصارمة إلى تبني الاشتراكية الديمقراطية والانفتاح على الدولة الاجتماعية.
لقد ارتبط الحزب منذ نشأته بأسماء بارزة صنعت تاريخه: علي يعته، الزعيم المؤسس الذي قاد الحزب لعقود طويلة وظل رمزاً للصلابة الفكرية والنضالية؛ إسماعيل العلوي، الذي قاد الحزب في مرحلة الانفتاح السياسي وأدخل تعديلات على خطه الفكري؛ ثم محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام الحالي، الذي مثّل الحزب في الحكومات المتعاقبة وأعاد له حضوراً في المشهد السياسي رغم محدودية وزنه الانتخابي.
 علاقة علي يعته بالحسن الثاني
علي يعته، رغم خلفيته الشيوعية، استطاع أن ينسج علاقة خاصة مع الملك الحسن الثاني، اتسمت بالاحترام المتبادل. فقد كان يعته من القلائل الذين حافظوا على خط نقدي واضح داخل البرلمان، لكنه في الوقت نفسه لم ينزلق إلى القطيعة الكاملة مع المؤسسة الملكية. هذه العلاقة سمحت للحزب بالبقاء في المشهد السياسي، حيث كان يعته يُعتبر صوتاً معارضاً صلباً، لكنه في إطار الشرعية الدستورية التي كان الحسن الثاني يحرص على ترسيخها. وهكذا ظل الحزب، بفضل هذه العلاقة، بعيداً عن مصير بعض التنظيمات اليسارية الأخرى التي واجهت تضييقاً أكبر.
 مشاكله السياسية
واجه الحزب تضييقاً في الستينات والسبعينات بسبب خلفيته الشيوعية، كما عرف انشقاقات داخلية مع بروز تيارات يسارية أخرى أكثر راديكالية. وفي السنوات الأخيرة، واجه تحديات مرتبطة بتراجع وزنه الانتخابي، خاصة بعد مشاركته في حكومة بنكيران (2012–2017) وخروجه منها في ظروف سياسية معقدة.
تدخلاته في البرلمان
لعب الحزب دوراً بارزاً في الدفاع عن العدالة الاجتماعية، التعليم، والصحة. قدّم مقترحات قوانين مرتبطة بالحماية الاجتماعية والحقوق الاقتصادية، وكان من أبرز المدافعين عن الإصلاحات الدستورية في التسعينات. خلال مشاركته في الحكومات، مثّل صوتاً يسارياً داخل الأغلبية، مركزاً على قضايا الدولة الاجتماعية. ورغم محدودية تمثيله البرلماني اليوم، يواصل الحزب التدخل في النقاشات الكبرى، مدافعاً عن الحريات وتوسيع المشاركة السياسية.
علاقته بالقصر
اتسمت بالمرونة مقارنة بأحزاب يسارية أخرى، إذ ساند الاستفتاءات الدستورية في التسعينات، وشارك في حكومات توافقية أبرزها حكومة التناوب وحكومة العدالة والتنمية. هذه العلاقة المؤسساتية سمحت له بالحفاظ على موقعه كحزب يساري معتدل، يوازن بين هويته الفكرية والانخراط في الإصلاحات التي يقودها الملك محمد السادس.
المرأة التقدمية
منذ بداياته، أولى الحزب اهتماماً خاصاً بقضية المرأة، حيث كان من أوائل الأحزاب التي دفعت نحو مشاركة النساء في العمل السياسي والنقابي. وقدّم نماذج بارزة لقيادات نسائية داخل صفوفه، واعتبر أن المساواة بين الجنسين جزء لا يتجزأ من مشروعه الاشتراكي الديمقراطي. المرأة التقدمية في الحزب لم تكن مجرد واجهة، بل كانت فاعلاً أساسياً في صياغة البرامج والدفاع عن قضايا العدالة والمساواة.
برامجه المستقبلية
يرتكز على رباعية واضحة:
– تعزيز الدولة الاجتماعية : عبر سياسات جديدة في التعليم والصحة والسكن لضمان العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق.
– الإصلاحات الدستورية والسياسية: التي تهدف إلى توسيع صلاحيات البرلمان وتعزيز المشاركة الديمقراطية.
– إدماج الشباب والنساء: في الحياة السياسية باعتبارهم ركيزة المستقبل وضمانة لتجدد المشروع التقدمي.
– التنمية المستدامة: من خلال دعم الاقتصاد الأخضر والعدالة البيئية.
إن حزب التقدم والاشتراكية، رغم تاريخه الطويل وانحداره من الحزب الشيوعي، استطاع أن يحافظ على موقعه كفاعل سياسي يساري معتدل، يجمع بين المعارضة والمشاركة الحكومية. واليوم، وهو يضع نفسه تحت المجهر، يواجه سؤال المستقبل: كيف يستعيد وزنه الانتخابي ويثبت أن الاشتراكية الديمقراطية قادرة على التجدد بتجدد الأجيال؟ هكذا يظل الحزب، رغم كل التحولات، عنواناً للنضال الاجتماعي وركيزة من ركائز المغرب الحديث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!