في مدريد، وتحت إشراف مباشر من الإدارة الأمريكية، اجتمع الرباعي المعني بملف الصحراء في مقر السفارة الأمريكية. حضر اللقاء وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ووزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، ووزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، إلى جانب ممثل جبهة البوليساريو. مجرد جلوس هذه الشخصيات في قاعة واحدة يعكس حجم التحول في مقاربة واشنطن للملف، ويؤشر إلى أن زمن المناورات يقترب من نهايته. هذا الاجتماع ليس بروتوكولًا عابرًا، بل محطة سياسية تحمل رسائل متعددة: للمغرب: دعم أمريكي متجدد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الحل الواقعي الوحيد القابل للتطبيق والمتوافق مع قرارات الأمم المتحدة. حضور بوريطة في هذا السياق يعزز صورة المغرب كفاعل أساسي يملك مشروعًا واضحًا. للجزائر: دعوة ضمنية إلى مراجعة موقفها التقليدي، إذ إن جلوس وزير خارجيتها في هذا الإطار يعكس إدراكًا بأن العزلة الدبلوماسية لم تعد خيارًا، وأن الضغط الدولي يتزايد للانخراط في مسار تفاوضي جدي. لموريتانيا: تأكيد على دورها كطرف محايد، لكنها في الوقت نفسه معنية بالاستقرار الإقليمي، خاصة أن أي توتر في المنطقة ينعكس مباشرة على حدودها وأمنها الداخلي. للبوليساريو: إشارة واضحة إلى أن المجتمع الدولي لم يعد يقبل بالجمود، وأن الحلول الانفصالية لم تعد مطروحة بجدية، بل إن المشاركة هنا تأتي في إطار دفعها نحو قبول تسوية واقعية. الولايات المتحدة، باختيارها مدريد كمسرح لهذا الاجتماع، أرادت أن تجمع بين رمزية أوروبا القريبة من الملف ورمزيتها كقوة دولية راعية للحلول. هذا يعكس أن واشنطن لم تعد تكتفي بالتصريحات، بل دخلت مرحلة الفعل المباشر لإعادة ترتيب الأولويات في المنطقة. الانعكاسات المحتملة على الداخل المغربي والجزائري والموريتاني متعددة: في المغرب، سيُقرأ الاجتماع كنجاح دبلوماسي جديد يعزز الثقة في المبادرة المغربية ويمنحها دفعة قوية أمام المجتمع الدولي. في الجزائر، قد يثير نقاشًا داخليًا حول جدوى الاستمرار في الموقف المتصلب، خاصة مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد. في موريتانيا، سيُعزز صورة الدولة كوسيط متوازن، ويمنحها وزنًا إضافيًا في المعادلة الإقليمية. إن اجتماع بوريطة وعطاف وولد مرزوك وممثل البوليساريو تحت إشراف أمريكي هو حدث رمزي بامتياز، لكنه أيضًا بداية لمسار جديد قد يعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة. فبين دموع الأحزاب على زعمائها ودموع الوطن على جراحه، يضع هذا اللقاء مستقبل المغرب العربي على طاولة التفاوض، في محاولة لإعادة ترتيب الأولويات نحو السلم والتنمية بدل الصراع.