جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

من زلزال الحوز إلى فيضانات القصر الكبير..الوجه الآخر لمغرب الوحدة و التحدي

0 461
ذ.احمد العهدي

لا يجادل اثنان ان قوة الأوطان لا تقاس بما تملكه من ثروات فحسب ، بل بما تُظهره من قدرة خلاقة و رؤية استباقية لمواجهة الأزمات، من قبيل الكوارث الطبيعية ، في صدارتها الزلازل و الفيضانات. و من الدروس التي علمنا تاريخ الازمات عامة ، و الكوارث الطبيعية خاصة ، انه في كل اختبار محطة صعبة تمر بها المملكة المغربية، يتجلى وجهٌ آخر لوطن منبت الاحرار و مشرق الانوار ؛ وجه المسؤولية، والجاهزية، والتضامن الوطني الصادق بروح تطوعية تلقائية متجذرة.
اكيد و صحيح انه خلال السنوات الأخيرة، وجد المغرب نفسه أمام امتحانات طبيعية قاسية. فبالأمس القريب، هزّ زلزال الحوز عدداً من المناطق، مخلفاً خسائر بشرية ومادية مؤلمة.لقد كانت الفاجعة كبيرة، لكن الردّ المغربي كان أكبر. تحركت مؤسسات الدولة بسرعة لافتة، ونُصبت الخيام، وتدفقت المساعدات، وانتشرت فرق الإنقاذ في القرى الجبلية. وفي وقت وجيز، تحوّلت الجراح الغائرة للمأساة الى تضميد اجتماعي فوري ، كانت العبقرية الملكية وكانت ارادة شعب وفيّ، فكانت ملحمة التضامن الوطني، في اعمق إشراقها و اصدق تجلياتها ، حيث شارك فيها المواطنون والسلطات على حد سواء، في صورة جسّدت عمق التلاحم الروحي الوثيق بين العرش والشعب.
واليوم، يتكرر المشهد في القصر الكبير ومحيطها، حيث داهمت الفيضانات الأحياء والبيوت والطرقات، مخلّفة حالة من الهلع والخسائر. غير أن المغرب، بتعليمات ملكية سامية، أثبت مرة أخرى أن تدبير الكوارث ليس ردّ فعل ظرفيًا، بل هو مسارٌ مؤسساتي متكامل و متواصل تؤطره خطة محوكمة ، يرتكز على رؤية استشرافية مدروسة، تمثلت في تدخلات عاجلة، و تفعيل تشكيل لجان يقظة، وفرق وقاية مدنية تسابق الزمن، ودعم ميداني مستمر لإنقاذ الأرواح وتأمين الممتلكات. لقد برهنت التجربة أن التعامل مع مثل هذه الأزمات يقوم على جاهزية مسبقة وخطط واضحة، لا على الارتجال وانتظار رد الفعل في لحظات المباغتة.
لكن الوجه الأبرز في كل هذه المحطات يظلّ هو الوجه الإنساني. فالمغاربة، في لحظات الشدة و الازمات، يتحولون إلى أسرة واحدة بقلب واحد و لسان واحد يردد بالروح و القلب قبل الحنجرة:” لبيك يا وطن!”. سلطات و مصالح امنية باختلاف تلويناتها و متطوعون من مختلف المدن يتوجهون إلى المناطق المتضررة، و قوافل تضامنية تتحرك دون انتظار، وأيادٍ تمتد لتخفيف الألم عن المتضررين. هنا تحديدًا و بالاساس تكمن القوة الحقيقية للمغرب: في ملكه الشهم المغوار الذي آل على نفسه منذ توليه زمام مقاليد الحكم ان يكون العرش في خدمة الشعب، هذا الشعب الوفي الذي يجعل من التضامن سلوكًا يوميًا لا مجرد شعار.
إن ما بين زلزال الحوز وفيضانات القصر الكبير خيطًا ناظمًا واحدًا: قدرة هذا الوطن على النهوض بعد كل كبوة. فالكوارث الطبيعية قد تكون قاسية، لكنها تكشف في المقابل صلابة الدولة وتماسكها، وحيوية المجتمع، وعمق القيم المتجذرة في ثقافة المغاربة.
لقد أظهرت التجارب المتتالية أن المغرب يتعلم من محنه، ويطوّر آلياته، ويحوّل الألم إلى ورشٍ مفتوح لإعادة البناء والتنمية.
والحقيقة أن قوة الأمم تُقاس بمدى قدرتها على حماية الإنسان قبل كل شيء. وهذا ما أكده المغرب عمليًا؛ حيث كان الهمّ الأول في كل أزمة هو إنقاذ الأرواح، وإيواء المتضررين، وإعادة الاستقرار إلى الحياة العامة. هكذا ، من رحم كل كارثة تولد إرادة جديدة، بنفَس جديد ، و امل جديد و رؤية جديدة متجددة اكثر، وتنهض القرى والمدن من جديد، كأنها تعلن أن العزيمة المغربية أقوى من كل الظروف ، وتبرهن ان المستحيل ليس مغربيا.
نعم قد تختلف طبيعة المحن بين زلزال يضرب الأرض وفيضان يغمرها، لكن الجواب المغربي يظل ثابتًا: ثبات في الموقف، وتنظيم في التدخل، وروح تضامن لا تنكسر.
ذلك هو الوجه الآخر للمملكة المغربية الشامخة الراسخة؛
وجه وطنٍ حين يتالم، يتألم بمواطنة و تكافل اجتماعي،
لكنه يعرف أكثر كيف ينهض من جديد و هو اقوى!
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!