لم تكن الفيضانات التي اجتاحت مدينة آسفي منتصف دجنبر مجرد كارثة طبيعية؛ بل كانت اختبارًا صارخًا لمدى جاهزية الدولة في مواجهة غضب الطبيعة. ففي لحظة واحدة، تحولت الأمطار الغزيرة إلى سيول جارفة أزهقت الأرواح وخلّفت خسائر مادية جسيمة، لتضع الحكومة أمام مسؤولية مضاعفة: التعزية من جهة، واتخاذ قرارات عملية من جهة أخرى.
لقد عبّر رئيس الحكومة عن تضامن الدولة مع أسر الضحايا، وأكد أن ما وقع نتيجة تساقطات استثنائية فاقت قدرة البنية التحتية على الاستيعاب. لكن الخطاب الرسمي لم يكتف بالتعازي، بل أعلن عن تعبئة وطنية شاملة، عبر تفعيل مراكز القيادة ولجان اليقظة في مختلف الأقاليم، في إطار المخطط الوطني لمواجهة آثار موجات البرد والكوارث الطبيعية.
هذا التفاعل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مواجهة الكوارث لم تعد مجرد رد فعل ظرفي، بل هي معركة استراتيجية تتطلب يقظة دائمة، إصلاحات هيكلية، واستثمارًا في شبكات الصرف والتخطيط الحضري المسؤول. فالماء الذي يرمز للحياة يمكن أن يتحول إلى قوة جارفة إذا غابت الحكامة الرشيدة، وإذا لم تُستوعب دروس الماضي في بناء مدن أكثر أمانًا.
الفيضانات الأخيرة وضعت المغرب أمام امتحان عسير، لكنها في الوقت نفسه فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الطبيعة والسياسة، وبين الأمن المائي والحكامة. إذا استطاعت الحكومة تحويل هذه الفاجعة إلى نقطة تحول في السياسات العمومية، فإن الألم سيتحول إلى وعي جماعي، والكارثة إلى درس وطني في الصمود والإصلاح.