قبل خمسين عاماً تقريباً، خرج عشرات الآلاف من المغاربة في ملحمة تاريخية نحو الصحراء المغربية، حاملين القرآن والعلم الوطني، ليؤكدوا للعالم أن قضية الوحدة الترابية ليست مجرد قرار سياسي، بل هي إرادة شعبية جسّدها المتطوعون في المسيرة الخضراء. هؤلاء المواطنون البسطاء، رجالاً ونساءً، تركوا بيوتهم وأعمالهم، وتحملوا مشاق السفر والصحراء، ليكتبوا بأقدامهم صفحة من أنصع صفحات التاريخ المغربي الحديث.
المسيرة الخضراء التي انطلقت سنة 1975 لم تكن مجرد حدث سياسي أو قرار استراتيجي، بل كانت ملحمة وطنية شارك فيها الشعب والجيش جنباً إلى جنب، ليصنعوا معاً صفحة من أنصع صفحات التاريخ المغربي. عشرات الآلاف من المتطوعين خرجوا بصدور عارية، حاملين القرآن والعلم الوطني، تاركين وراءهم بيوتهم وأعمالهم وأسرهم، ليؤكدوا للعالم أن الوحدة الترابية للمغرب قضية شعب قبل أن تكون قضية دولة. هؤلاء المتطوعون جسّدوا معنى المقاومة السلمية، مقاومة بلا سلاح، لكنها أقوى من أي قوة عسكرية، لأنها استندت إلى الإيمان والروح الوطنية.
وفي الوقت نفسه، كان الجيش المغربي مرابطاً في الحدود، حامياً للوطن، ومؤمناً بأن الدفاع عن السيادة مسؤولية جماعية لا تنفصل عن تضحيات الشعب. لقد شكل حضور الجيش سنداً أساسياً للمسيرة، إذ وفر الغطاء الأمني والسياسي، بينما جسّد المتطوعون الوجه الشعبي والإنساني للملحمة. هذا التلاقي بين الشعب والجيش هو ما منح المسيرة قوتها الرمزية، وأثبت أن الدفاع عن الوطن لا يكون دائماً بالسلاح، بل أيضاً بالإرادة الجماعية والالتفاف حول قضية عادلة.
اليوم، وبعد مرور 50 سنة على تلك اللحظة التاريخية، ما زال كثير من المتطوعين يعانون من التهميش والظروف الاجتماعية الصعبة. إنهم تركوا كل شيء وراءهم من أجل الوطن، لكنهم لم ينالوا بعد ما يستحقونه من إنصاف وتكريم. إدماجهم في خانة المقاومين بدون سلاح ليس فقط اعترافاً بتضحياتهم، بل هو أيضاً واجب وطني وأخلاقي، يضعهم في المكانة التي يستحقونها إلى جانب الجنود الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن الوطن.
الجانب الإنساني في هذه القضية يفرض نفسه بقوة. فالمتطوعون الذين شاركوا في المسيرة الخضراء يستحقون أن يُحتفى بهم، لا فقط في المناسبات الرسمية، بل عبر سياسات اجتماعية تضمن لهم حياة كريمة. إنصافهم يعني الاعتراف بتضحياتهم، وتوفير الدعم الصحي والاجتماعي لمن بقي منهم على قيد الحياة، وإدماج قصصهم في المناهج الدراسية حتى تتعرف الأجيال الجديدة على قيمة التضحية الوطنية.
المسيرة الخضراء كانت مقاومة سلمية بلا سلاح، لكنها صنعت نصراً سياسياً وتاريخياً لا يزال صداه يتردد إلى اليوم. والجيش المغربي، الذي ظل مرابطاً في الحدود، والمتطوعون الذين ساروا في الصحراء، يشكلون معاً وجهين لعملة واحدة: مقاومة من أجل الوطن، كلٌ بطريقته، لكن بروح واحدة. واليوم، إنصافهم وتكريمهم هو أقل ما يمكن أن يُقدَّم لهم، حتى تبقى ذاكرتهم شاهدة على أن التضحية من أجل الوطن لا تُنسى أبدا.
تكريم هؤلاء المتطوعين ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو أيضاً رسالة للأجيال القادمة بأن الوطن لا ينسى أبناءه الذين ضحوا من أجله. كما أنه يعزز روح الانتماء ويعيد الاعتبار لفعل جماعي جسّد وحدة الشعب المغربي حول قضية مصيرية.