لم يكن تصريح سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، مجرد تعليق عابر على مشهد برلماني مثير للجدل. بل كان بمثابة استدعاء لذاكرة سياسية، ومقارنة صريحة بين زمنين: زمنه حين كان وزيراً أولاً، حيث كانت الأمور تسير “بالف خير” على حد تعبيره، وزمن اليوم الذي يشهد توتراً غير مسبوق بين وزير العدل والمؤسسة التشريعية.
العثماني، الذي خبر البرلمان لأكثر من ثلاثة عقود، لم يتردد في القول إنه لم يرَ قط وزيراً يسيء للمؤسسة التشريعية بهذا الشكل. هذا التصريح ليس فقط إدانة لسلوك عبد اللطيف وهبي، بل هو أيضاً إشارة إلى أزمة أعمق في الخطاب السياسي المغربي، حيث تراجعت لغة الاحترام المتبادل بين المؤسسات، وحلّت محلها لغة الصدام والمزايدة.
في عهد العثماني، ورغم كل الانتقادات التي وُجّهت لحكومته، كان هناك حرص على الحفاظ على صورة المؤسسة التشريعية، وعلى احترام قواعد اللعبة السياسية. لم يكن البرلمان ساحة لتبادل الإهانات، بل فضاءً للنقاش، حتى وإن كان محتدماً. أما اليوم، فإن ما وقع بين وزير العدل وأحد النواب يعكس انزلاقاً خطيراً نحو شخصنة الخلافات، وإضعاف صورة المؤسسات أمام الرأي العام.
إن تصريح العثماني يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام أزمة أفراد أم أزمة منظومة؟ هل المشكلة في شخصية وزير بعينه، أم في تراجع قيم السياسة المغربية ككل؟ حين يقول العثماني إن الأمور كانت “بالف خير” في عهده، فهو لا يدّعي الكمال، بل يذكّر بأن السياسة ليست مجرد تدبير يومي، بل هي أيضاً فن في الحفاظ على هيبة المؤسسات وصون الثقة الشعبية.
المؤسسة التشريعية هي قلب الديمقراطية، وأي إساءة لها هي إساءة للوطن وللمواطنين الذين يرون فيها صوتهم وممثليهم. وإذا كان وزير العدل، وهو المسؤول عن حماية القانون، يختار لغة الاستفزاز بدل لغة الاحترام، فإن ذلك يطرح إشكالاً عميقاً حول مستقبل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى استعادة روح السياسة النظيفة التي تحدّث عنها العثماني. يحتاج إلى خطاب يرفع منسوب الثقة، لا يزرع الشك. يحتاج إلى وزراء يدركون أن قوتهم ليست في مهاجمة النواب، بل في خدمة الوطن عبر احترام المؤسسات.
إن الأزمة الحالية ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي جرس إنذار. وإذا لم يتم تداركها، فإنها ستعمّق الهوة بين المواطن والسياسة، وستضعف صورة المغرب في الداخل والخارج. العثماني، وهو يهاجم سلوك وهبي، لم يكن يدافع عن شخص أو حزب، بل كان يدافع عن مؤسسة وعن ذاكرة سياسية، وعن فكرة أن السياسة يمكن أن تكون بالفعل “بالف خير” إذا ما احترمت قواعدها وأخلاقياتها.