الجمل لحزب الشورى والاستقلال تحت المجهر : ذاكرة وطنية تبحث عن تجديد الحضور
في إطار رسالتها الإعلامية الرصينة، أطلقت جريدة أصداء مغربية سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “أحزاب تحت المجهر”. هذه السلسلة تسعى إلى قراءة معمّقة في مسارات الأحزاب المغربية، عبر استحضار الذاكرة الحزبية لكل تنظيم، متتبعة ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل المواطن: ماذا قدّم هذا الحزب خلال تقلّد المسؤولية الحكومية؟
إنها محاولة مهنية من أصداء مغربية لتقديم مادة إعلامية متوازنة، تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية. نؤكد في هذه السلسلة على التزامنا بالموضوعية والحياد الكامل واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد، ليقفوا على مكامن القوة والضعف، وليتعرفوا عن قرب على إشكالات التسيير ومواطن الخلل في التجربة الحزبية المغربية.
الحلقة الخامسة : حزب الشورى والإستقلال
منذ تأسيس حزب الشورى والاستقلال سنة 1946، ارتبط اسمه أولاً وأساساً بالزعيم التاريخي محمد بن الحسن الوزاني، الذي خرج من رحم حزب الاستقلال بعد خلافات عميقة مع قيادة علال الفاسي، ليؤسس تنظيماً جديداً يحمل مشروعاً يقوم على قيم الشورى والاستقلال. الوزاني مثّل النموذج الأول للزعيم الفكري والسياسي، إذ جمع بين الصحافة والعمل الوطني، وأسس جريدة الرأي العام كمنبر لنشر أفكار الحزب. بعد رحيله سنة 1978، دخل الحزب مرحلة انتقالية صعبة، حيث تولى القيادة عدد من الأطر المقربة منه، لكن دون أن يتمكنوا من إعادة الحزب إلى مكانته الأولى. من بين الأسماء التي برزت لاحقاً أحمد بنجلون الوزاني الذي حاول الحفاظ على الإرث الفكري للمؤسس، ثم قيادات تنظيمية في الثمانينيات والتسعينيات، غير أن حضورهم ظل محدوداً في المشهد السياسي. وفي العقود الأخيرة، تعاقب على الأمانة العامة للحزب شخصيات من النخب الفكرية والسياسية في الرباط والدار البيضاء، أبرزهم عبد الواحد معاش الذي قاد الحزب لسنوات طويلة منذ بداية التسعينيات، قبل أن يسلم القيادة إلى أحمد بلغازي سنة 2020، والذي أعيد انتخابه في مؤتمر 2026. وهكذا، يمكن القول إن الحزب عرف أربعة زعماء رئيسيين منذ التأسيس، لكن الزعامة الحقيقية التي طبعت تاريخه وظلت راسخة في الذاكرة الوطنية هي زعامة محمد بن الحسن الوزاني، فيما بقي خلفاؤه أوفياء للرمزية أكثر من قدرتهم على صناعة حضور جماهيري واسع.
الانشقاق عن حزب الاستقلال
نشأة الحزب ارتبطت مباشرة بانشقاق محمد بن الحسن الوزاني عن حزب الاستقلال، بعد خلافات عميقة مع قيادة الحزب بزعامة علال الفاسي. الوزاني اعتبر أن الحزب بحاجة إلى رؤية أكثر ديمقراطية تقوم على التشاور، بينما اتهمه الاستقلاليون بالسعي وراء زعامة موازية. هذا الانشقاق كرّس التوتر بين الطرفين، خاصة مع رفض قواعد الشورى والاستقلال لمفاوضات إيكس ليبان سنة 1955، التي اعتبروا أنها منحت المغرب استقلالاً ناقصاً مقابل امتيازات لحزب الاستقلال. الصراع انتقل من صفحات الجرائد، حيث فرض البوليس السياسي رقابة على صحف الحزب مثل الرأي العام وDémocratie، إلى مستويات أكثر خطورة شملت الاعتقال والاختطاف والاغتيال، وصولاً إلى أحداث دامية مثل مذبحة سوق أربعاء الغرب سنة 1956. هذه المرحلة رسخت صورة الحزب كتيار راديكالي إصلاحي، مقابل حزب الاستقلال الذي احتفظ بالشرعية الأكبر في المشهد الوطني.
الزعامة التاريخية
محمد بن الحسن الوزاني مثّل النموذج الأول للزعيم الفكري الإصلاحي، الذي جمع بين الصحافة والعمل السياسي، وأسّس خطاباً يزاوج بين الوطنية والحداثة. بعده، لم يعرف الحزب زعامات كاريزمية بنفس القوة، بل ظل رهين نخب محدودة في الرباط والدار البيضاء. هذا الضعف القيادي انعكس على قدرته في بناء قاعدة جماهيرية واسعة، وجعل الحزب أقرب إلى إطار فكري منه إلى قوة انتخابية.
المرأة الشورية
رغم أن الحزب لم يمنح المرأة موقعاً بارزاً في هياكله، إلا أن بعض القيادات النسائية ساهمت في إبراز صورته الإصلاحية، خاصة في الخطاب المتعلق بتجديد النخب ومحاربة التشتت الحزبي. حضور المرأة ظل رمزياً أكثر منه فعلياً، وهو ما يعكس محدودية الحزب في إدماج الطاقات النسائية والشبابية مقارنة بأحزاب أخرى أكثر انفتاحاً.
الحزب والبرلمان
في البرلمان، لم يعد للحزب أي حضور فعلي، إذ لا يتوفر على نواب أو مستشارين، ما جعله خارج دائرة القرار التشريعي. هذا الغياب يعكس تراجع وزنه الانتخابي، لكنه لم يمنعه من الاستمرار في تقديم مقترحات إصلاحية، مثل الدعوة إلى تحديد ولايات البرلمانيين في اثنتين فقط، ومنع الجمع بين صفة نائب ورئاسة جماعة أو غرفة مهنية، إضافة إلى مراجعة شروط تأسيس الأحزاب للحد من ما يسميه “الدكاكين الحزبية”. هذه الأفكار تكشف أن الحزب يركز أكثر على إصلاح المنظومة السياسية من الداخل بدل السعي وراء المقاعد.
علاقة الحزب بالقصر
منذ تأسيسه، ظل الحزب في علاقة احترام وتوافق مع المؤسسة الملكية، ولم يدخل في صدام مباشر معها. هذا الموقع جعله جزءاً من التعددية التي ترعاها الملكية المغربية، لكنه في الوقت نفسه حدّ من قدرته على لعب دور معارض قوي. الحزب أقرب إلى حزب رمزي يكتفي بتقديم رؤى إصلاحية دون أن يكون له وزن في موازين القوى داخل البرلمان أو الحكومة، لكنه يحافظ على شرعية معنوية باعتباره جزءاً من الحركة الوطنية.
برامجه المستقبلية
يركز الحزب اليوم على خطاب إصلاحي يطالب بتجديد النخب السياسية، ومحاربة التشتت الحزبي، وإعادة الاعتبار للعمل البرلماني كأداة للتشريع والرقابة. كما يدعو إلى مراجعة شروط تأسيس الأحزاب، والحد من تضخم المشهد الحزبي الذي يضعف ثقة المواطنين. هذه البرامج تكشف أن الحزب يسعى إلى أن يكون صوتاً إصلاحياً يذكّر بضرورة ترشيد العمل السياسي، حتى وإن لم يكن له حضور انتخابي قوي.
أحمد بلغازي: زعيم يبحث عن إحياء الرمزية
يتولى أحمد بلغازي قيادة حزب الشورى والاستقلال منذ سنة 2020، بعد أن خلف عبد الواحد معاش الذي قاد الحزب لأطول فترة في تاريخه الحديث. أعيد انتخابه بالإجماع في مؤتمر 2026، ليؤكد بذلك ثقة قواعد الحزب في شخصه ورؤيته الإصلاحية. ينتمي بلغازي إلى جيل جديد من النخب الفكرية والسياسية، ويُعرف بخطابه الهادئ الذي يركز على تجديد النخب ومحاربة التشتت الحزبي، مع الدعوة إلى ترشيد الحياة السياسية وإعادة الاعتبار للعمل البرلماني.
رغم أن الحزب تحت قيادته لا يملك حضوراً برلمانياً أو جماهيرياً واسعاً، فإن بلغازي يسعى إلى إعادة إحياء رمزية الحزب التاريخية، عبر التذكير بدوره في الحركة الوطنية وارتباطه بالزعيم المؤسس محمد بن الحسن الوزاني. خطابه الإصلاحي يضعه في موقع “الحزب الفكري” أكثر من “الحزب الانتخابي”، لكنه يراهن على أن استعادة الثقة في السياسة تبدأ من تقديم أفكار واضحة حول الإصلاح، لا من التنافس على المقاعد فقط.

