في مؤتمر التكتلات البرلمانية الأخير، أثارت رسالة محمد شريف، مسؤول العلاقات الخارجية بحركة صحراويون من أجل السلام، جدلاً حول شرعية التمثيل الحصري لجبهة البوليساريو. الرسالة لم تكتف بطرح سؤال قانوني حول غياب انتخابات حرة وتعددية، بل وضعت النقاش في سياق أوسع: هل يمكن اختزال تقرير المصير في بعد ترابي فقط، أم أنه يتطلب أيضًا تعددية داخلية ونقاشًا مفتوحًا يتيح التداول على السلطة؟ هذا الطرح يكتسب وزنه من واقع جديد: الساحة الصحراوية لم تعد أحادية الصوت. انضمام الحركة إلى منظمة الأممية الاشتراكية، كما أبرزت تقارير إعلامية، شكّل ضربة قوية لاحتكار البوليساريو للتمثيل الخارجي، وأكد أن هناك تيارات صحراوية صاعدة تؤمن بالحوار وترفض منطق السلاح. هذه التعددية لا تضعف القضية، بل تمنحها شرعية أكبر وتضعها في إطار ديمقراطي حديث. في المقابل، يظل الجدل حول المصطلحات حاضرًا: في الداخل المغربي، الأغلبية الساحقة من الصحراويين والمغاربة يصرّون على تسمية الصحراء المغربية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الوطن. أما في الخطاب الموجه إلى الخارج، فتُستعمل عبارة الصحراء الغربية لأنها الأكثر تداولًا في قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. هذا التباين يعكس معركة رمزية حول اللغة والشرعية، حيث يسعى كل طرف لتثبيت روايته عبر المصطلحات. الرسالة أيضًا انتقدت إدخال الحكومة الإسبانية في الإعلان الختامي، معتبرة أن ذلك يحوّل القضية إلى موضوع استقطاب حزبي داخلي، بدل أن تُعالج كقضية دولة. وهنا يبرز انسجام موقف الحكومة الإسبانية مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 (أكتوبر 2025)، الذي يدعو إلى حل سياسي سلمي مقبول من جميع الأطراف. إن التعددية الصحراوية اليوم واقع لا يمكن إنكاره. وبين لغة الداخل التي تؤكد على الصحراء المغربية، ولغة الخارج التي تلتزم بالاصطلاح الأممي، تظل الحقيقة راسخة: مستقبل المنطقة لن يُبنى بالاحتكار أو الانغلاق، بل بالحوار، التعددية، والانخراط في مشروع وطني جامع تحت ضمانات دولية.
وفيما يلي رسالة الى البرلمانيين الجهويين المشاركين في المؤتمر التاسع والعشرين للتكتلات البرلمانية “السلام والحرية للصحراء الغربية” من إمضاء مسؤول العلاقات الخارجية بحركة صحراويون من أجل السلام السيد محمد شريف
نص الرسالة:
رسالة مفتوحة إلى البرلمانيين الجهويين المشاركين في المؤتمر التاسع والعشرين للتكتلات البرلمانية “السلام والحرية للصحراء الغربية”
السيدات والسادة،
أتوجه إليكم عقب انعقاد المؤتمر التاسع والعشرين للتكتلات البرلمانية في نافارا واعتماد إعلانه الختامي، الذي تم فيه الاعتراف بجبهة البوليساريو ممثلاً “وحيداً وحصرياً” للشعب الصحراوي. ومن دون التشكيك في التزامكم بالسلام أو في حساسيتكم تجاه وضعية الشعب الصحراوي، يبدو من الضروري طرح تساؤل جوهري، هل يمكن، من منظور قانوني وديمقراطي، تثبيت تمثيل حصري في غياب عملية انتخابية حرة وتعددية وقابلة للتحقق، تمكن السكان الصحراويين من اختيار ممثليهم بين بدائل سياسية مختلفة؟
إن الإقرار بتمثيل وحيد يُقصي صحراويين يدافعون عن مسارات سياسية مغايرة، بعيدة عن منطق السلاح ومؤيدة لحل تفاوضي، وبعد أكثر من خمسة عقود من النزاع والمنفى والهشاشة في المخيمات، من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت الاستراتيجية المتبعة قد فتحت فعلا أفقا قابلا للتحقق، أم أنها على العكس من ذلك أطالت انتظارا غير محدد بكلفة إنسانية باهظة. في سنة 2026، وبعد مرور خمسين عاماً على الانسحاب الإسباني، تبدو الساحة السياسية الصحراوية أكثر تعددية مما يعترف به غالبا، فقد برزت تيارات تدعو إلى الحوار والتعددية وبناء المؤسسات، ومن بينها تبرز حركة صحراويون من أجل السلام، المنضوية اليوم ضمن الأممية الاشتراكية، وهو ما يعكس وجود فضاء سياسي بديل يستحق الاستماع إليه وأخذه بعين الاعتبار.
كما أن الانتقاد الصريح الموجه إلى الحكومة الإسبانية ضمن الإعلان يُدخل عنصرا من الجدل الحزبي في مجال يفترض أن يحافظ على أقصى درجات الحياد المؤسساتي، فهذه الصياغة، بدلاً من أن تعزز القضية الصحراوية، قد تفضي إلى تغذية مواقف الحزب الشعبي وحزب فوكس مجاناً، بإقحام مسألة يفترض تناولها كقضية دولة ضمن منطق الاستقطاب السياسي الداخلي. ومن المهم التذكير أيضاً بأن موقف الحكومة برئاسة بيدرو سانشيز، ورهانها على حل سياسي سلمي، ينسجم مع ما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، ويتماشى مع الجهود الدولية الجارية للتوصل إلى تسوية مقبولة من جميع الأطراف، تفتح أفقاً للمستقبل من دون غالب أو مغلوب. إن تقرير المصير لا يمكن اختزاله في بُعده الترابي فقط، بل يتطلب كذلك تعددية داخلية، ونقاشا مفتوحا، وإمكانية حقيقية للتداول على السلطة. والحفاظ على تمثيل مغلق ودائم من دون اختبار ديمقراطي يطرح تساؤلات مشروعة. وعليه، نلتمس منكم باحترام أن يتم، في الدعوات والمنتديات البرلمانية المقبلة، فتح فضاء حقيقي وشامل للحوار، يتيح، إلى جانب جبهة البوليساريو، مشاركة والاستماع إلى أصوات صحراوية أخرى تدافع عن مقاربات مختلفة، أصوات تؤمن صراحة بالتعددية الحزبية، والتداول السياسي، وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وتمثل حركة صحراويون من أجل السلام اليوم إحدى هذه التيارات الصاعدة التي تطالب بنقاش مفتوح وتعددي حول مستقبل الشعب الصحراوي، وترفض الخيار المسلح، وترى أن من الممكن والضروري التوصل إلى اتفاق مع المملكة المغربية تحت ضمانات دولية. إن فتح هذا الفضاء لا يُضعف القضية الصحراوية، بل يقويها، بوضعها في إطار التعددية والمسؤولية السياسية والديمقراطية الفعلية.
مع فائق الاحترام، محمد الشريف مسؤول العلاقات الدولية حركة صحراويون من أجل السلام مدريد، بتاريخ 23 فبراير 2026