واشنطن تفتح صفحة جديدة في مسار تسوية نزاع الصحراء المغربية
تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة من الحركية الدبلوماسية مع انطلاق جولة موسعة من المفاوضات في العاصمة الأميركية واشنطن، بمشاركة جميع الأطراف المعنية بالنزاع، وبرعاية مباشرة من الولايات المتحدة وتحت متابعة دقيقة من الأمم المتحدة. هذه الجولة، التي جاءت بعد اجتماعات تمهيدية في مدريد، تعكس انتقال الملف من دائرة الجمود الطويل إلى فضاء أكثر دينامية، حيث تتقاطع الإرادة الدولية مع المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره أرضية واقعية للنقاش.
منذ عقود ظل النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية أحد أبرز الملفات التي تشغل الساحة الدولية، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تغير في موازين المقاربة. فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تقوم على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في إطار السيادة الوطنية، باتت تحظى باهتمام متزايد من القوى الكبرى، لما توفره من توازن بين احترام وحدة الدولة وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية للسكان المحليين. هذا النموذج، الذي يستلهم تجارب الحكم الذاتي الناجحة في أوروبا، يقدم تصورًا عمليًا يفتح الباب أمام تسوية مستدامة.
في المقابل، يبرز الدور الأميركي كعامل محفّز لتسريع المسار الأممي، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتنامية بمنطقة الساحل والصحراء. فاستمرار النزاع يضاعف المخاطر المرتبطة بشبكات التهريب والجماعات المتطرفة، وهو ما يجعل واشنطن أكثر حرصًا على الدفع نحو حل سياسي نهائي. كما أن النقاش داخل الأوساط السياسية الأميركية بدأ يتجه نحو مواقف أكثر صرامة تجاه الجهات المعرقلة، بما في ذلك طرح فكرة إدراج جبهة البوليساريو ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية إذا استمر رفضها الانخراط الجدي في المسار السياسي.
يبقى موقف الجزائر عنصرًا حاسمًا في مستقبل هذه المفاوضات، إذ تعتبرها الأمم المتحدة طرفًا رئيسيًا إلى جانب المغرب وموريتانيا والبوليساريو. ومن دون انخراط مباشر وبنّاء من الجزائر، سيظل أي تقدم محدودًا. غير أن الضغوط الدولية المتزايدة قد تدفعها إلى مراجعة مواقفها، بما يفتح المجال أمام توافق إقليمي يضع حدًا لنزاع استمر لعقود.
إن جولة واشنطن ليست مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل هي اختبار لجدية الأطراف في الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة حله. وبين المقترح المغربي للحكم الذاتي والدفع الدولي المتزايد نحو تسوية واقعية، تلوح إمكانية فتح صفحة جديدة في تاريخ هذا الملف، صفحة قد تقود في النهاية إلى تثبيت حل سياسي نهائي يضمن الاستقرار في المنطقة تحت السيادة المغربية، ويعزز صورة المملكة كفاعل إقليمي مسؤول وشريك موثوق في بناء الأمن والتنمية.
القسم السياسي // أصداء مغربية

