يمر التعليم العمومي في بلادنا بمرحلة دقيقة وحاسمة، تستدعي وقفة تأمل حقيقية ومسؤولة من طرف الجميع: مؤسسات، أسر، مربين، ومجتمع مدني. فالمؤشرات التي تبرز في الميدان تنذر بمستقبل غامض لأجيال بأكملها، قد تجد نفسها في دوامة التيه، فاقدة للهوية، محدودة الطموح، محصورة في البحث عن لقمة العيش بأقل مجهود، دون شغف أو مشروع حياة.
في الثانويات التأهيلية، لا يُخفى على أحد ما يعانيه جزء كبير من المتعلمين من فقدان الحافز والرغبة في التعلم، واهتمامهم المتزايد بالقشور والمظاهر على حساب الجوهر. لا يكاد يمر يوم دون أن نرى تلاميذ يأتون إلى القسم شبه نائمين، منهكين من السهر أمام شاشات الهاتف وتطبيقات التيك توك وألعاب الفيديو. الحضور إلى المدرسة أصبح عند بعضهم مجرد واجب شكلي يُؤدّى إرضاءً للوالدين أو لضمان الاستفادة من منحة برنامج “تيسير”.
لكن، ما الذي أوصلنا إلى هذه الوضعية الحرجة؟ يمكن تلخيص بعض الأسباب المحورية فيما يلي:
1. خلل التوجيه وسوء تدبير الخريطة المدرسية: تكرّست لدى المتعلمين ثقافة النجاح دون مجهود، في ظل نظام يسمح بالانتقال التلقائي والحصول على معدلات مرتفعة عن طريق الغش أو التراخي في فروض المراقبة المستمرة. لقد أُفرغت الشهادة من معناها، وتحوّلت إلى مجرد وثيقة ورقية لا تعكس الكفاءة ولا الجدية.
2. أزمة القيم واختلال نماذج القدوة: أصبح “المؤثرون” وصناع المحتوى التافه مرجعيات للعديد من التلاميذ. يُستبدل المعلم والمفكر والعالم بأشخاص لا يقدمون سوى التفاهة والسطحية. وهذا ما يخلق انفصامًا خطيرًا في المنظومة التربوية والثقافية للمجتمع.
3. غياب التتبع الأسري: أولياء الأمور بدورهم يتحملون جزءًا من المسؤولية. فغياب المراقبة، وعدم غرس قيم الانضباط، وترك الأبناء عرضة للاستهلاك الرقمي العشوائي، كل ذلك يساهم في تدهور مستوى التحصيل الدراسي وانعدام الطموح.
4. تقادم المناهج وضعف الارتباط بسوق الشغل: لا يزال محتوى عدد من المواد الدراسية بعيدًا عن واقع المتعلم وتطلعاته، غير منفتح على مستجدات العصر، ولا يواكب حاجيات المجتمع وسوق الشغل. مما يجعل المتعلم يشعر بالانفصال عن ما يُلقَّن له داخل القسم.
إنقاذ التعليم العمومي ليس رفاهية ولا خيارًا ثانويًا، بل ضرورة ملحة تقتضي تعبئة شاملة. يجب إعادة الاعتبار للمدرسة كمؤسسة لصناعة الإنسان، وغرس قيم المواطنة والاجتهاد، وربط التعلم بالحياة والواقع. فالمجتمع الذي يهمل تعليم أبنائه، يحكم على مستقبله بالتلاشي.
التعليقات مغلقة.