جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

نجاعة الأداء في التدبير العمومي : مدخل لتحقيق العدالة المجالية وترميم الثقة بين المواطن و المؤسسات الترابية و المنتخبة

829
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم، أصبح لزامًا على الإدارة العمومية تبنّي منهجية حديثة في التدبير، قوامها نجاعة الأداء التي تضع النتائج في صلب السياسات العمومية، عوض الاكتفاء بالتركيز على الوسائل والإجراءات هذه المقاربة ليست مجرد إصلاح إداري، بل هي رؤية استراتيجية تهدف إلى ترشيد الموارد، وتحقيق العدالة المجالية، وضمان استفادة كافة المواطنين من الخدمات العمومية بشكل منصف، بغضّ النظر عن موقعهم الجغرافي أو وضعهم الاجتماعي.
إن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز منطق المركزية في التخطيط، والانتقال إلى مقاربة تعتمد على التشخيص الميداني في توزيع الميزانيات، بحيث يتم توجيه الاستثمارات وفقًا للحاجيات الفعلية للمناطق المختلفة، بدلًا من الاعتماد على معايير غير منصفة تجعل بعض المناطق تنعم بالتنمية، بينما تظل مناطق أخرى تعاني من نقص البنيات التحتية والخدمات الأساسية فلا يمكن تحقيق تنمية متوازنة دون أن يكون لكل منطقة نصيبها العادل من البرامج العمومية، بناءً على دراسات ميدانية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية.
لكن السياسات الطموحة لا يمكن أن تؤتي ثمارها دون وجود موارد بشرية كافية ومؤهلة قادرة على تنزيل هذه البرامج بفعالية ، فالإدارة العمومية اليوم بحاجة إلى موظفين متمكنين من آليات التخطيط الاستراتيجي والتقييم المستمر، وإلى مسؤولين محليين ومنتخبين واعين بمسؤولياتهم تجاه المواطنين وهذا يفرض إعادة النظر في منظومة التكوين، بحيث يتم ربط الجامعات والمعاهد العليا بالواقع الاجتماعي والاقتصادي و ما يفرض من حاجيات، وتمكين الأطر من أدوات التدبير الحديث، وخاصة الرقمنة التي أصبحت ركيزة أساسية في تحسين الخدمات العمومية، وضمان شفافية أكبر في اتخاذ القرارات.
من شأن كل هذه الخطوات أن تساهم في إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة، وخاصة لدى الفئات المهمشة، فحين يلمس المواطن أثر السياسات العمومية في حياته اليومية، من خلال تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص الشغل، وضمان مشاركة حقيقية في اتخاذ القرار المحلي، فإنه يصبح أكثر انخراطًا في دينامية التنمية، وأكثر استعدادًا للمساهمة في بناء وطن قائم على العدل وتكافؤ الفرص.
إن الانتقال إلى تدبير عمومي مبني على نجاعة الأداء ليس مجرد تحسين للإدارة، بل هو مدخل أساسي لتحقيق عدالة تنموية تشمل الجميع، وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف جهات الوطن، حتى لا يبقى هناك “مركز” يستحوذ على المشاريع الكبرى، و”هامش” يعاني من التهميش، بل يصبح الجميع شركاء في التنمية، وفق رؤية متوازنة ومنصفة تجعل من نجاعة الأداء أداة حقيقية لتحقيق الرفاه الجماعي.

مراكش : الحسين شهراوي

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!