جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

رؤية ملكية استراتيجية لتثمين الخصوصيات المحلية وتكريس الجهوية المتقدمة: نحو جيل جديد من التنمية الترابية المندمجة

0 117

في سياق دينامية الإصلاحات الكبرى التي يشهدها المغرب، جاء المجلس الوزاري المنعقد يوم الخميس 9 أبريل 2026، برئاسة صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، ليؤكد مرة أخرى أن ورش الجهوية المتقدمة لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية لإعادة بناء النموذج التنموي على أسس العدالة المجالية والنجاعة الترابية.
لقد حمل هذا المجلس إشارات قوية وواضحة نحو الانتقال إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، قائم على تثمين الخصوصيات المحلية لكل جهة، بدل المقاربات الموحدة التي أثبتت محدوديتها. فالمغرب، بتنوعه الجغرافي والثقافي والاقتصادي، يحتاج إلى سياسات تفصيلية تنطلق من الواقع المحلي، وتستثمر في المؤهلات الذاتية لكل مجال ترابي.
ومن أبرز معالم هذا التحول، اعتماد منطق جديد في الحكامة الترابية، يتمثل في إرساء الشركات الجهوية تحت رئاسة رئيس الجهة، بما يعزز دور المنتخبين في قيادة التنمية، ويُخرج المشاريع من بطء المساطر المركزية إلى دينامية القرار الجهوي القريب من المواطن. هذا التوجه لا يعكس فقط نقلًا للاختصاصات، بل يؤسس لتحمل حقيقي للمسؤولية وربط مباشر بين القرار والمحاسبة.
كما شددت التوجيهات الملكية على ضرورة اعتماد نظام دقيق لتتبع المشاريع، يشمل المستويات الإقليمية والجهوية والوطنية، بما يضمن التنسيق والتكامل، ويضع حدًا للاختلالات التي كانت تعيق تنفيذ البرامج أو تفرغها من أثرها الحقيقي. فالتتبع لم يعد إجراءً إداريًا شكليًا، بل أصبح أداة استراتيجية لضمان النجاعة والشفافية.
وفي نفس الإطار، تم التأكيد على إرساء آليات واضحة لقياس الأثر الفعلي للمشاريع، بدل الاكتفاء بمنطق الإنجاز الكمي. فالمعيار الحقيقي اليوم هو: ماذا تغير في حياة المواطن؟ هل تحسنت شروط العيش؟ هل تم تقليص الفوارق؟ هذا التحول في التقييم يعكس نضجًا مؤسساتيًا، وانتقالًا نحو ربط المسؤولية بالنتائج الملموسة.
أما الهدف الأسمى لهذه الرؤية، فهو تقليص الفوارق بين الجهات، ليس فقط من خلال تحويل الموارد، بل عبر تمكين الجهات من أدوات الفعل والتنفيذ، وتحفيزها على الابتكار في إيجاد الحلول الملائمة لخصوصياتها. إنها مقاربة تقوم على الإنصاف الترابي، وتؤسس لمغرب متعدد الجهات، موحد في رؤيته، متوازن في تنميته.
إن ما تمخض عنه المجلس الوزاري الأخير يشكل منعطفًا حاسمًا في مسار الجهوية المتقدمة، حيث لم يعد الأمر متعلقًا بإرساء الهياكل، بل بتفعيلها وإعطائها نفسًا جديدًا قائمًا على الفعالية والنتائج.
وبذلك، تتأكد مرة أخرى الرؤية الملكية التي تجعل من التنمية الترابية رافعة أساسية لبناء مغرب المستقبل: مغرب الإنصاف، الكفاءة، والكرامة المجالية.

الحسين اموح شهراوي

رئيس المكتب الجهوي للمنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية

و الاعلام و التسامح بجهة مراكش اسفي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!