العلاقات بين المغرب وليبيا تحمل طابعاً تاريخياً متشابكاً، فقد بدأت قبل وصول العقيد معمر القذافي إلى السلطة سنة 1969 في إطار الروابط المغاربية التي كانت تسعى إلى بناء وحدة بين دول المنطقة، حيث ظل المغرب ينظر إلى ليبيا باعتبارها شريكاً في الفضاء المغاربي رغم اختلاف التوجهات السياسية. ومع وصول القذافي، دخلت العلاقات مرحلة من المد والجزر، إذ اتسمت أحياناً بالتوتر بسبب مواقف ليبيا الثورية ودعمها لحركات انفصالية، وأحياناً أخرى بالتقارب في إطار القمم العربية والمغاربية، لكن بقيت الروابط الشعبية والثقافية قائمة رغم كل التحولات.
بعد سقوط نظام القذافي سنة 2011، لعب المغرب دوراً محورياً في دعم الاستقرار الليبي، فاحتضن اتفاق الصخيرات سنة 2015 الذي جمع الفرقاء الليبيين على أرضه، وكان محطة أساسية في مسار البحث عن حل سياسي للأزمة. هذا الاتفاق لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل جسّد إرادة المغرب في أن يظل وسيطاً نزيهاً، وأن يقدم أرضه كفضاء للحوار والتوافق، مؤكداً على عمق الروابط التاريخية بين الشعبين، حيث ظل المغرب يفتح أبوابه لليبيين في أصعب الظروف.
اليوم، ورغم ما يطرأ من خلافات أو مواقف عابرة، فإن العلاقات بين المغرب وليبيا تظل قائمة على أساس الأخوة وحسن الجوار، مدعومة بتاريخ طويل من التفاعل السياسي والدبلوماسي، ومؤطرة برغبة مشتركة في الحفاظ على وحدة المنطقة المغاربية واستقرارها. لقاء الصخيرات سيظل شاهداً على أن المغرب لم يتردد في الوقوف إلى جانب ليبيا في لحظة مفصلية، وأنه يعتبر استقرارها جزءاً من استقرار المنطقة ككل، وأنه مهما تعددت الأجندات الإقليمية فإن المغرب يظل متمسكاً بمبدأ التضامن المغاربي، مدافعاً عن وحدة الشعوب ومصالحها المشتركة.
بهذا المعنى، فإن مسار العلاقات بين المغرب وليبيا قبل القذافي وبعده، وصولاً إلى محطة الصخيرات، يعكس صورة تاريخية متواصلة: توترات ظرفية، لكنها لا تلغي عمق الروابط، ورسائل سياسية متباينة، لكنها لا تمحو حقيقة أن المغرب ظل دائماً سنداً لليبيا في أوقات الأزمات، وأن الأخوة بين الشعبين أقوى من أي خلافات عابرة.