جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حزب الحركة الشعبية شعاره السنبلة تحت المجهر

0 106

ونحن نلج غمار الحلقة الرابعة من هذه السلسلة، تعلن هيئة التحرير لجريدة أصداء مغربية لقرائها الأوفياء، ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، عن مواصلة نشر مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “زعماء تحت المجهر”. هذه المبادرة الإعلامية تسعى إلى استحضار ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزت الأحزاب المغربية، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المواطن: ماذا قدم هذا الزعيم وحزبه خلال تقلده المسؤولية الحكومية؟ إنها محاولة مهنية لتقديم مادة رصينة تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية، مع التزامنا التام بالموضوعية والحياد، واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد، حتى تتضح مكامن الخلل وضعف التسيير ومواطن الأزمة بوضوح وشفافية.

الحلقة الرابعة : حزب الحركة الشعبية

حزب الحركة الشعبية لم يكن وليد شخص واحد، بل ثمرة مبادرة جماعية قادها أحرضان والخطيب واليوسي ومبارك البكاي الذي ترأس أول  حكومة بعد الاستقلال، مدعومين بوطنيين وأعضاء جيش التحرير، ليشكلوا تياراً سياسياً جديداً يوازن المشهد المغربي بعد الاستقلال.تأسس رسمياً في فبراير 1959، بعدما تعرض مؤتمره الأول سنة 1957 للمنع. وقد أسهم الحزب بشكل نوعي في الدفع نحو إقرار ظهير الحريات العامة يوم 15 نونبر 1958، ليكون بذلك جزءاً من معركة التعددية السياسية ومناهضة فكرة الحزب الواحد. منذ البداية، تأسس الحزب على فكرة مغربية أصيلة، نابعة من عمق وطني شعبي خالص، متشبث بثوابت الأمة ومناهض للظلم بكل أشكاله.

قدم الحزب منذ تأسيسه ما سماه البديل الحركي، القائم على قيم تمغربيت النابعة من المرجعية الأمازيغية والعربية الإسلامية والانتماء الإفريقي، والهادف إلى تحقيق العدالة اللغوية إحقاقاً لمبدأ الوحدة في التنوع، مع التشبث بالأصالة المغربية وقيم الوسطية والاعتدال، وقواعد الديمقراطية المنسجمة مع الفكر الليبرالي الاجتماعي، والمتمسك بالخصوصية والهوية المغربية، المناهضة لكل التيارات الهدامة وأشكال الإرهاب والتطرف.
في مساره السياسي، ظل الحزب يناضل من أجل العدالة المجالية، ساعياً إلى تكريس مغرب الجهات في إطار وحدة الوطن والتراب، وجعل من إنصاف ساكنة المجال القروي والجبلي كما المدن إحدى المبادرات الأساسية لبناء مغرب يضمن الكرامة لكافة أبنائه، ويوزع ثرواته بشكل عادل، بما يوفر مستقبلاً مستقراً وآمناً بمفهومه الاستراتيجي الواسع.
على مستوى البرلمان، ظل الحزب حاضراً لعقود طويلة، وشارك في مختلف الحكومات المتعاقبة، حيث تولى وزراءه حقائب مهمة مثل الفلاحة، التربية الوطنية، الشباب والرياضة، والداخلية. هذا الحضور جعله جزءاً من التوازنات السياسية التي ترعاها المؤسسة الملكية، إذ حافظ الحزب على علاقة تعاون مع القصر، وساهم في ترسيخ التعددية الحزبية ومناهضة فكرة الحزب الواحد. وفي الوضع الراهن، يتموقع الحزب في المعارضة داخل مجلسي البرلمان، حيث يمارس دوراً رقابياً قوياً وجريئاً ومستداماً.

علاقته بالقصر

منذ تأسيسه ظل مرتبطاً بشكل وثيق بالمؤسسة الملكية، إذ نشأ في سياق سياسي حساس بعد الاستقلال، وكان من أبرز أهدافه مواجهة فكرة الحزب الواحد وترسيخ التعددية تحت إشراف القصر. هذه العلاقة اتسمت دائماً بالتعاون والتكامل، حيث شارك الحزب في مختلف الحكومات المتعاقبة، وتولى وزراؤه حقائب مهمة مثل الفلاحة، التربية الوطنية، الشباب والرياضة، والداخلية، ما جعله جزءاً من التوازنات السياسية التي ترعاها الملكية المغربية.

القصر كان ينظر إلى الحركة الشعبية باعتبارها صوتاً للعالم القروي والجبلي، ومعبّراً عن الهوية الأمازيغية في إطار الوحدة الوطنية، وهو ما منح الحزب شرعية خاصة في المشهد السياسي. في المقابل، ظل الحزب وفياً للثوابت الوطنية، متشبثاً بالملكية كضمانة للاستقرار ووحدة التراب، ومؤكداً على قيم الوسطية والاعتدال في مواجهة كل أشكال التطرف.

اليوم، يتموقع الحزب في المعارضة داخل مجلسي البرلمان، لكنه يحافظ على علاقة احترام وتعاون مع القصر، ويواصل تقديم مقترحات إصلاحية مرتبطة بالعدالة المجالية، التنمية القروية، وتجديد النخب. هذه العلاقة تجعل الحزب أقرب إلى شريك سياسي دائم في إطار التعددية، حتى وإن كان حضوره الانتخابي يتراجع أحياناً أمام الأحزاب الكبرى.

باختصار، علاقة الحركة الشعبية بالقصر هي علاقة تاريخية قائمة على الثقة والتكامل، حيث ظل الحزب جزءاً من المشهد السياسي الذي ترعاه المؤسسة الملكية، مشاركاً في الحكومات ومعبّراً عن قضايا الهوية والعدالة المجالية، ومتمسكاً بدوره كفاعل سياسي يوازن بين المعارضة والتعاون مع الدولة.

برنامجه المستقبلي يركز على عدة محاور أساسية: تعزيز العدالة المجالية عبر تكريس مغرب الجهات وضمان توزيع عادل للثروات بين مختلف المناطق؛ الدفاع عن الهوية المغربية المتعددة الروافد، مع التركيز على اللغة والثقافة الأمازيغية باعتبارها مكوناً أصيلاً في الهوية الوطنية؛ محاربة كل أشكال التطرف والإرهاب وتكريس قيم الوسطية والاعتدال؛ الدفع نحو تنمية اقتصادية شاملة تشمل القرى والجبال بنفس قدر اهتمامها بالمدن؛ وتجديد النخب السياسية عبر إشراك الشباب والنساء في العمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة.
أما على مستوى التمثيليات، فإن الحزب يتميز بانتشار واسع في العالم القروي والجبلي، وله حضور في المجالس الجماعية والجهوية، إضافة إلى البرلمان، ما يجعله من الأحزاب ذات الجذور الميدانية القوية. هذا الحضور يعكس ارتباطه التاريخي بالساكنة القروية والفلاحين، وهو ما يمنحه قاعدة اجتماعية طبيعية رغم المنافسة القوية من أحزاب أخرى.
زعماء الحزب الذين مروا منه يمثلون مراحل مختلفة من تاريخه: المؤسس المحجوبي أحرضان الذي ظل رمزاً للحزب لعقود، ثم امحند العنصر الذي تولى الأمانة العامة منذ بداية الثمانينيات وأصبح رمزاً للاستمرارية، وأخيراً محمد أوزين الذي يقود الحزب اليوم كأمين عام، محاولاً تجديد خطابه السياسي ومواكبة تطلعات الشباب. 

المرأة الحركية

المراة الحركية داخل حزب الحركة الشعبية تمثل أحد الأعمدة الأساسية في مسار الحزب منذ عقود، إذ لم يكن حضورها مجرد مشاركة رمزية، بل ارتبط بالفعل السياسي والتأطير الميداني. منذ مرحلة التأسيس، برزت أسماء نسائية ساهمت في ترسيخ هوية الحزب كتنظيم شعبي منفتح على مختلف مكونات المجتمع، ثم تعزز هذا الدور مع تطور الحياة السياسية المغربية وارتفاع مطالب إشراك النساء في العمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة.

الحركة الشعبية كانت من بين الأحزاب التي دفعت باتجاه الاعتراف بالثقافة الأمازيغية والعدالة المجالية، وهو ما انعكس أيضاً على خطابها تجاه المرأة، حيث اعتبرت أن إنصافها لا ينفصل عن إنصاف القرى والجبال والمناطق المهمشة. لذلك، نجد أن المراة الحركية ارتبطت دائماً بقضايا التنمية الاجتماعية، التعليم، ومحاربة الفقر، إلى جانب الدفاع عن المشاركة السياسية.

في البرلمان والمجالس المنتخبة، برزت وجوه نسائية حركية مثل حليمة العسالي التي أصبحت رمزاً للحضور النسائي داخل الحزب، حيث لعبت دوراً بارزاً في القيادة والتأطير، وكانت صوتاً قوياً في الدفاع عن قضايا المرأة والشباب. كما ساهمت نساء أخريات في العمل الحكومي والبرلماني، ما جعل الحزب يرسخ صورة الانفتاح على الكفاءات النسائية.

اليوم، ومع قيادة محمد أوزين للحزب، يواصل الخطاب الحركي التأكيد على ضرورة تجديد النخب وإشراك النساء والشباب بشكل أكبر، باعتبارهم ركيزة أساسية في برنامجه المستقبلي. المراة الحركية إذن ليست مجرد عنصر تنظيمي، بل هي جزء من مشروع الحزب في الدفاع عن العدالة المجالية، الهوية الوطنية المتعددة الروافد، وقيم الوسطية والاعتدال.

باختصار، المراة الحركية داخل حزب الحركة الشعبية جسدت على مدى عقود صورة المشاركة الفاعلة، من القيادة إلى القاعدة، وأسهمت في جعل الحزب أكثر التصاقاً بقضايا المجتمع، خصوصاً في العالم القروي والجبلي، حيث يشكل حضورها ضمانة لاستمرار الحزب في أداء رسالته الاجتماعية والسياسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!