جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

لگويرة.. الجغرافيا التي تأمر التاريخ وتفتح أبواب المستقبل

يكتبها المصطفى بلقطيبية

0 1٬406

في أقصى الجنوب المغربي، حيث يلتقي الرمل بالمحيط، تقف لگويرة كحكاية جغرافية تختزن في طياتها معاني السيادة والذاكرة الوطنية. هذه المدينة الصغيرة، التي تبدو كذيل سمكة ممتد في عرض الأطلسي، لم تحظَ ربما بالاهتمام الشعبي الكثيف، لكنها في الحقيقة تمثل زاوية استراتيجية بالغة الأهمية، وموضوعًا رئيسيًا في الجغرافيا السياسية للمغرب.
منذ انسحاب موريتانيا سنة 1979 من إقليم وادي الذهب، إثر الضغوط المستمرة لهجمات البوليساريو المدعومة من الجزائر، وجد المغرب نفسه أمام فراغ خطير كان يهدد بتمكين خصومه من السيطرة على الساحل الأطلسي. لكن الملك الراحل الحسن الثاني، بحدسه السياسي المعروف، أدرك أن الأمر يتجاوز مجرد نزاع حدودي، وأنه يتعلق بمصير وحدة التراب الوطني. فتحرك بسرعة ليقطع الطريق على المناورات، ويستكمل استرجاع الصحراء المغربية بكاملها، بما فيها لگويرة، في خطوة تاريخية أنهت أي محاولة لتطويق المغرب من الجنوب.
اليوم، تحت قيادة الملك محمد السادس، يستمر هذا النهج في الدفاع عن السيادة الوطنية، ليس بمنطق التوسع أو العدوان كما يزعم البعض، بل بمنطق الشرعية التاريخية والاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاق مدريد سنة 1975 الذي رسّخ حق المغرب في استرجاع أراضيه. فالمغرب لم يمارس يومًا سياسة الغزو، بل اعتمد الحوار والتفاوض، ليجعل من تجربته نموذجًا فريدًا في مسار إنهاء الاستعمار.
لگويرة، رغم كونها مدينة شبه مهجورة، تظل رمزًا حيًا في المخيال المغربي. فهي ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي امتداد لشعار “من طنجة إلى لگويرة”، الذي يلخص وحدة التراب الوطني من الشمال إلى الجنوب. إنها نافذة المغرب على الأطلسي، وموقع استراتيجي يمكن أن يتحول في المستقبل إلى مشروع سياحي ضخم، “ريفييرا مغربية” تفتح آفاقًا اقتصادية جديدة وتعيد الحياة إلى هذه الأرض التي شهدت فصولًا من التاريخ.
لكن القضية ليست اقتصادية فقط، بل هي أولًا وأخيرًا قضية سيادة. فالمغرب لا يقبل المساومة على أي شبر من ترابه، ولا يسمح لأي طرف أن يشكك في حقه التاريخي والقانوني. لگويرة، مهما بدت صغيرة أو بعيدة، هي جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية، والدفاع عنها واجب لا ينتهي.
ولأن المغرب اليوم يقود مشروعًا تنمويًا شاملاً في أقاليمه الجنوبية، فإن لگويرة ليست مجرد رمز سيادي أو زاوية جغرافية قصية، بل هي جزء من رؤية وطنية متكاملة. فكما تحولت الداخلة والعيون إلى مراكز إشعاع اقتصادي وسياحي عالمي، يمكن للگويرة أن تصبح واجهة جديدة على الأطلسي، تحتضن مشاريع استثمارية وسياحية كبرى، وتفتح أبواب التنمية أمام ساكنة المنطقة. إن الدفاع عن لگويرة هو دفاع عن السيادة، لكنه أيضًا التزام بمواصلة مسيرة التنمية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، لتظل الأقاليم الجنوبية نموذجًا في الاندماج الوطني، ومختبرًا للحداثة المغربية، ونافذة مشرقة على المستقبل.
إن الجغرافيا تأمر التاريخ، كما يقولون، ولگويرة مثال حي على ذلك. فهي تذكير دائم بأن السيادة ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية، وأن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الذاكرة والكرامة والمستقبل. وبين أطماع الجيران ومناورات الخصوم، يظل المغرب ثابتًا على مبدئه: لا تنازل عن لگويرة، ولا مساومة على وحدة التراب الوطني، حتى آخر نفس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!