مع انطلاق صافرة البداية لأكبر نسخة في تاريخ كأس العالم 2026 على أراضي الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك، لا تزال أصداء الأزمات التنظيمية والسياسية تطغى على كواليس العرس الكروي العالمي. فرغم المظهر الاحتفالي الذي تكتسي به المدن المضيفة، تعيش آلاف الجماهير الرياضية حول العالم غصة حقيقية بعد أن وُجدت نفسها محرومة قسراً من مساندة منتخباتها الوطنية من فوق المدرجات بسبب قرارات المنع، وتشديد إجراءات الهجرة، وتعقيدات الحصول على التأشيرات. غليان إيراني وتدخل على خط “الفيفا” تتصدر الجماهير الإيرانية المشهد الإشكالي في كواليس البطولة؛ حيث أعلن الاتحاد الإيراني لكرة القدم بشكل رسمي عن إلغاء حصته القانونية من تذاكر المشجعين والمقدرة بـ 8% في المباريات التي تقام على الأراضي الأمريكية (وتحديداً في مدينتي لوس أنجلوس وسياتل) ضمن منافسات المجموعة السابعة. هذا القرار جاء كتحصيل حاصل بعد الإجراءات والقيود الصارمة التي فرضتها الإدارة الأمريكية، والتي جعلت من شبه المستحيل على المشجعين القادمين من داخل إيران الحصول على تأشيرات الدخول والوصول إلى الملاعب. ولم تقتصر التضييقات على الجماهير فحسب، بل شملت حتى بعض أفراد الطاقم الإداري للبعثة الإيرانية، مما دفع الاتحاد الإيراني للمطالبة بتدخل عاجل من الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لحماية ما أسماه “مبادئ العدالة الرياضية” وفصل السياسة عن الرياضة. القارة السمراء تدفع ضريبة تشديد قوانين الهجرة رغم الحضور التاريخي القياسي لمنتخبات القارة الإفريقية في هذه النسخة بعشرة ممثلين، إلا أن هذا التوهج الرياضي قابله إحباط جماهيري كبير. فبسبب سياسات الهجرة المشددة وحظر السفر الذي تفرضه إدارة دونالد ترامب الثانية على بعض الدول، تواجه جماهير منتخبات وازنة مثل السنغال وكوت ديفوار (ساحل العاج) قيوداً جزئية صارمة حلت دون تمكن الآلاف من عشاق “أسود التيرانجا” و”الفيلة” من السفر لدعم فرقهم داخل المدن الأمريكية. هذه الوضعية جعلت الدعم الجماهيري لهذه المنتخبات مقتصراً في الغالب على أفراد الجاليات الإفريقية المقيمة أصلاً في أمريكا الشمالية أو أولئك الذين يحملون جنسيات مزدوجة تتيح لهم التنقل بحرية. “عشاق السامبا” وإلغاءات مفاجئة لمشجعي إسكتلندا ولم تكن الجماهير اللاتينية أو الأوروبية بمعزل عن هذه الأزمة المونديالية؛ إذ يواجه المشجعون البرازيليون الراغبون في مرافقة “السيليساو” أزمة غير مسبوقة جراء التغييرات الأخيرة في معايير قبول طلبات التأشيرات والرسوم المشددة، حيث قفزت نسبة رفض تأشيرات السياحة للمواطنين البرازيليين إلى مستويات قياسية تناهز 50%، مما حرم قطاعاً واسعاً من عشاق السامبا من التواجد في الملاعب الأمريكية. أما المفاجأة الأكبر فكانت من نصيب المشجعين الأوروبيين، وتحديداً من إسكتلندا؛ حيث واجه العشرات من المشجعين الإسكتلنديين صدمة حقيقية بعد إلغاء تصاريح دخولهم الإلكترونية إلى الولايات المتحدة (ESTA) بشكل مفاجئ وفي آخر لحظة قبل السفر، مما بدد حلمهم في متابعة منتخبهم الذي يخوض مبارياته في المجموعة الثالثة النارية إلى جانب المغرب والبرازيل. استثناء للملاعب.. والمشجع البسيط هو الضحية أمام هذا التوتر الجيوسياسي، أكدت مصادر من كواليس اللجان المنظمة أن الاستثناء الوحيد الذي تم تفعيله بمرونة لتفادي أي أزمة تنظيميّة خانقة قد تفسد البطولة رياضياً، قد اقتصر فقط على اللاعبين، الأطقم الفنية، والوفود الإدارية الرسمية وعائلاتهم المباشرة لضمان خوض المباريات دون نقص عددي. وفيما يدفع المشجع البسيط والشغوف ضريبة الحسابات السياسية الدولية، يراهن المنظمون على الوجود المكثف للجاليات المقيمة والمشجعين المحليين لملء المدرجات، في وقت يرى فيه العديد من الخبراء الرياضيين أن هذه الأزمة تفتح باب النقاش مجدداً حول معايير منح شرف تنظيم المونديال مستقبلاً للدول التي تفرض قيوداً سياسية صارمة على حرية تنقل الشعوب.