مع اقتراب المحطة الانتخابية لعام 2026، يعود إلى الواجهة نقاش حارق يسائل ضمير المشهد السياسي المغربي، ويتعلق بظاهرة “المال السايب” الذي يتسلل إلى كواليس منح التزكيات الحزبية. إن الحديث اليوم عن تحول التزكيات من صكوك استحقاق ونضال وكفاءة إلى صفقات تجارية تُبرم خلف الأبواب المغلقة بمبالغ خيالية، ليس مجرد اتهامات عابرة، بل هو مؤشر خطير على انحراف بوصلة العمل الحزبي، وتحويل التابع السياسي إلى سوق للمزايدات يربح فيه من يملك السيولة لا من يملك الرؤية والبرنامج. هذا الواقع المأزوم ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الطبيعية لحالة التكلس والشيخوخة المزمنة التي تضرب قيادات ورئاسات الأحزاب السياسية، حيث تحولت الزعامات إلى “أقاصيص خالدة” ترفض التنحي أو التجديد، وجثمت على أنفاس التنظيمات لعقود طويلة، مما ساهم في إغلاق قنوات التداول الديمقراطي وخنق أي أمل في بروز جيل جديد من القادة يواكب تطلعات العصر ومغرب القرن الحادي والعشرين.
إن هذا التوغل الصارخ للمال في مرحلة ما قبل الاقتراع، مدعوماً برغبة القيادات “الهرمة” في الحفاظ على مواقعها بأي ثمن، يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص؛ فهو يقود تدريجياً إلى إقصاء ممنهج للكفاءات الشابة، والنخب المثقفة، والطاقات النزيهة التي تجد نفسها عاجزة عن منافسة “أعيان الانتخابات” وأصحاب الشيكات السميكة. والأخطر من ذلك، أن هذه الشيخوخة القيادية والاعتماد على أصحاب النفوذ المالي أنتجا عُقماً فكرياً وبنيوياً تجسد في غياب تام لبرامج سياسية واقتصادية حقيقية تستحق الذكر؛ فعلى مدار سنين طويلة، ظلت البرامج الحزبية مجرد نسخ مكررة، وشعارات إنشائية جوفاء تُسحب من الرفوف مع كل موعد انتخابي ثم تُقبر بعده، دون التزام فعلي أو حلول واقعية للمشاكل الهيكلية التي يعاني منها الوطن والمواطن.
إن خطورة هذا المنطق المشترك بين الفساد المالي والعقم البرامجي لا تقف عند حدود إبعاد الشرفاء، بل تمتد لتفرغ المؤسسات المنتخبة من عمقها التدبيري والفكري، وتفتح الباب على مصراعيه لتضارب المصالح ولتسلل وجوه تحوم حولها شبهات الفساد وتبديد المال العام، فقط لأنها تملك القدرة على تمويل الحملات وضمان المقاعد لزعامات حركتها الوحيدة هي الحفاظ على كراسيها. أمام هذا الوضع المقلق، أصبحت الأحزاب السياسية اليوم أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية تتجاوز منطق “المقعد والتموقع”. إن المخرج الوحيد لاستعادة ثقة المواطن في صناديق الاقتراع وفي العمل السياسي يمر حتماً عبر ضخ دماء جديدة، وتفعيل مواثيق شرف حقيقية تقطع الطريق أمام الفساد الانتخابي، وتغيير العقليات القيادية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من يوم التصويت، بل ينطلق من نظافة وعصرنة الرحم الحزبي الذي يفرز نخب الغد؛ وعلينا أن نتذكر دائماً أن جودة القوانين والمشاريع تظل رهينة، أولاً وأخيراً، بنزاهة ونظافة يد وجدية الأشخاص الذين يتولون تنزيلها على أرض الواقع.